تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢١٨ - ٣٩٠٧ ـ عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد أبي عمرو أبو عمرو الأوزاعي
منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه ، فبكى النبي ٦ وبكى جبريل لبكائه ، فقال : تبكي ـ وفي حديث الأكفاني : أتبكي ـ يا محمد ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : «أفلا أكون عبدا شكورا ، ولم بكيت يا جبريل ، وأنت الروح الأمين ، أمين الله على وحيه؟» [٧١٤٨].
فقال : أخاف أن ابتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت ، فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي ، فأكون قد أمنت مكره زاد زاهر والمروزي : فلم يزالا يبكيان حتى نودي من السماء : أن يا جبريل ويا محمد ، إن الله قد أمنكما أن تغضباه ، فيعذبكما.
وقالوا : وقد بلغني يا أمير المؤمنين ، أن عمر بن الخطاب قال : اللهم إن كنت تعلم أني لا أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من مال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني [١] طرفة عين. يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله ـ زاد الأكفاني : بحقه ـ وإن أكرم الكرم عند الله التقوى ، وإنه من طلب العز في طاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه ، وهذه ـ وقال الأكفاني : هذه ـ نصيحتي ، والسلام ـ زاد زاهر والمروزي : عليك ـ.
وقالوا : ثم نهضت ـ وقال الأكفاني : قال الأوزاعي : ثم نهضت ـ فقال لي : أين؟ فقلت : إلى البلد والوطن بإذن أمير المؤمنين ـ وقال الأكفاني : بإذن الله وإذن أمير المؤمنين ـ إن شاء الله ، قال : قد أذنت لك وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بقبولها ، والله الموفق ـ وقال زاهر : هو الموفق ـ للخير والمعين عليه ، وبه أستعين وعليه أتوكل ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، فلا تخلني من مطالعتك وقال الأكفاني : بمطالعتك ـ إياي بمثلها فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة ، قلت : أفعل إن شاء الله. قال محمد بن مصعب : فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله وقال : أنا في غناء ، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من أعراض الدنيا كلها ، وعرف المنصور مذهبه فلم يجدّ عليه في رده.
قال الحاكم : هذا حديث غريب تفرد به أبو [٢] جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح الأديب [٣] ، وهو مقدم في أصحاب الأصمعي يلقب بأبي العصيدة حدث عنه يحيى بن محمد بن صاعد وغيره من الأئمة.
أخبرنا أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمّد ، أنا أبو الفرج سهل بن بشر ، أنا أبو
[١] الأصل : تبتلني ، والمثبت عن م.
[٢] سقطت من م.
[٣] ترجمته في تهذيب الكمال ١ / ٢٠٢.