تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٨٠ - ٣٥٤٣ ـ عبد الله بن محمد بن أبي يزيد الخلنجي القاضي
وجاء الخلنجي فجلس كما كان يجلس فالتصقت ذنبته بالدّبق ، وتمكن منها. فلما تقدم إليه الخصوم ، وأقبل عليهم بجميع جسده كما كان يفعل انكشف رأسه ، وبقيت الذنبة في موضعه مصلوبة وقام الخلنجي مغضبا ، وعلم أنها حيلة وقعت عليه ، فغطى رأسه بطيلسانه وقام ، فانصرف وتركها مكانها حتى جاء بعض أعوانه فأخذها.
وقال بعض شعراء أهل ذلك العصر فيه :
| إنّ الخلنجي من تتايهه | أثقل باد لنا بطلعته | |
| ما تيه ذي [١] نخوة مناسبه | بين أخاوينه وقصعته | |
| يصالح الخصم من يخاصمه | خوفا من الجور في قضيّته | |
| لو لم تدبّقه [٢] كفّ قانصه | لطارتيها على رعيّته |
قال : وشهرت الأبيات والقصة ببغداد ، وعمل علّوية حكاية أعطاهما الزفانين [٣] والمخنثين فأحرقوه [٤] فيها ، وكان علّوية يعاديه لمنازعة كانت بينهما ففضحه ، واستعفى الخلنجي من القضاء ببغداد وسأل أن يولّى بعض الكور البعيدة فولّي جند دمشق أو حمص فلمّا ولي المأمون الخلافة غناه علّوية بشعر الخلنجي وهو [٥] :
| برئت من الإسلام إن كان ذا الذي | أتاك به الواشون عني كما قالوا | |
| ولكنهم لما رأوك غريّة | بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا | |
| فقد صرت إذنا للوشاة سميعة | ينالون من عرضي [٦] ولو شئت ما نالوا |
فقال له المأمون : من يقول هذا الشعر؟ قال : قاضي دمشق ، فأمر المأمون بإحضاره فكتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه فأشخص وجلس المأمون [للشرب][٧] وأحضر علّوية ودعا بالقاضي فقال له : أنشدني قولك :
برئت من الإسلام إن كان ذا الذي
فقال له : يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها منذ أربعين سنة وأنا صبي ، وو الذي أكرمك
[١] الأغاني : «ما إن لذي نخوة مناسبة» والأخاوين جمع خوان وهو ما يؤكل عليه الطعام.
[٢] التدبيق : صيد الطائر بالدّبق.
[٣] الزفانون : الرقاصون.
[٤] الأغاني : فأحرجوه.
[٥] الأبيات في الأغاني ١١ / ٣٣٩ ـ ٣٤٠ والوافي ١٧ / ٤٤٤.
[٦] عن المصدرين السابقين وبالأصل : غرض.
[٧] الزيادة عن الأغاني.