تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٣ - ٣٥٢٣ ـ عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن هاشم أبو جعفر المنصور
بينما المنصور ذات يوم يخطب وقد علا بكاؤه إذ قام رجل فقال : يا وصّاف ، تأمر ما تحتقبه [١] ، وتنهى عمّا ترتكبه ، بنفسك فابدأ ثم بالناس ، فنظر إليه المنصور وتأمّله مليا وقطع الخطبة ثم قال : يا عبد الجبّار خذه إليك ، فأخذه عبد الجبّار وعاد إلى خطبته حتى أتمّها وقضى الصلاة ، ثم دخل ودعا بعبد الجبّار فقال له : ما فعل الرجل؟ قال : محبوس عندنا يا أمير المؤمنين ، قال : امل له ثم عرّض له بالدنيا ، فإن صدف عنها وقلاها [فلعمري إنه مريد][٢] وإن كان كلامه ليقع موقعا حسنا ، وإن مال إلى الدنيا ، ورغب فيها إن لي فيه أدبا يزعه عن الوثوب على الخلفاء ، وطلب الدنيا بعمل الآخرة ، فخرج عبد الجبّار فدعا بالرجل ، وقد دعا بغدائه فقال له : ما حملك على ما صنعت؟ قال : حق لله كان في عنقي فأديته إلى خليفته ، قال : ادن فكل من هذا الطعام حتى يدعو بك أمير المؤمنين ، قال : لا حاجة لي فيه ، قال : وما عليك من أكل الطعام إن كانت نيتك حسنة فلا يفثأك [٣] عنها شيء فدنا فأكل ، فلما أكل طمع فيه ، فتركه أياما ثم دعاه فقال : لهي عنك أمير المؤمنين وأنت محبوس ، فهل لك في جارية تؤنسك وتسكن إليها؟ قال : ما أكره ذلك ، فأعطاه جارية ، ثم أرسل إليه : هذا الطعام قد أكلت والجارية قد أقبلت ، فهل لك في ثياب تلبسها وتلبس [٤] عيالك إن كان لك عيال ، ونفقة تستعين بها على أمرك إلى أن يدعو بك أمير المؤمنين؟ قال : ما أكره ذلك ، فأعطاه ثم قال له : ما عليك أن تصنع خلّة تبلغ بها الوسيلة من أمير المؤمنين إن أردت الوسيلة عنده إذا ذكرك؟ قال : وما هي؟ قال : أولّيك الحسبة والمظالم فتكون أحد عمّاله ، تأمر بمعروف وتنهى عن منكر ، قال : ما أكره ذلك ، فولّاه الحسبة والمظالم. فلما انتهى عليه شهر ، قال عبد الجبّار للمنصور : الرجل الذي تكلم بما تكلم به فأمرت بحبسه ، قد أكل من طعام أمير المؤمنين ، ولبس من ثيابه وعاش [٥] في نعمته.
قال القاضي : الصواب عندي وعاش في نعمته.
وصار أحد ولاته وإن أحبّ أمير المؤمنين أن أدخله إليه في زي الشيعة [٦] فعلت قال :
[١] الجليس الصالح : «تجتنبه» واحتقب فلان الإثم : كأنما جمعه واحتقبه من خلفه. واحتقبه : احتمله.
[٢] ما بين معكوفتين مضطرب بالأصل والمثبت عن الجليس الصالح.
[٣] فثأت عني فلانا فثأ إذا كسرته عنك ، وفثأ الشيء عنه : كفّه.
[٤] الجليس الصالح : تكتسيها وتكسو عيالك.
[٥] كذا بالأصل ، وفي المطبوعة : «وعاث» وفي الجليس الصالح الكافي : «وعان».
[٦] الأصل : «ذي الساعة» والمثبت عن الجليس الصالح الكافي.