تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٣٣ - ٣٥٢٣ ـ عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن هاشم أبو جعفر المنصور
عن ضر شديد أصابه حتى أكرى نفسه مع الملاحين يمدّ في الحبل حتى انتهى إلى الموصل ، أو فعل ذلك لأمر خافه على نفسه ، فتنكر وأكرى نفسه في مدّاري السفن ، فخطب هذه امرأة ورغّبها في نفسه ، ووعدها ومناها ، وأخبرنا أنه نابه العذر [١] ، وأنه من أهل بيت شرف ، وأنها إن تزوجته سعدت به ، فلم يزل يمنّيها بهذا وشبهه حتى أجابته ، وأقام معها ، فكان يختلف في أسبابه ويجعل طريقه عليها بما رزقه الله.
ثم اشتملت على حمل ، فقال لها : أيتها المرأة هذه رقعة مختومة عندك لا تفتحيها حتى تضعي ما في بطنك ، فإن ولدت ابنا فسمّيه جعفرا وكنّيه أبا عبد الله ، وإن ولدت ابنة فسميها فلانة ، وأنا عبد الله بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب ، فاستري أمري ، فإنا قوم مطلوبون ، والسلطان إلينا سريع ، وودّعها عبد الله وخرج من عندها ، فقضي أنها ولدت ذكرا وأخرجت الرقعة فقرأت النسب [فسمّته][٢] جعفرا.
وضرب الدهر على ذلك ما تسمع له خبرا ، ونشأ الصبي مع أخواله وأهل بيت أمّه ، وكان كيّسا ذهنا لقنا [٣] واستخلف أبو العبّاس فقيل للمرأة : إن كنت صادقة في رقعتك وكان من كتبها صادقا فإن زوجك الخليفة أمير المؤمنين ، قالت : ما أدري صفوا لي صفة هذا الخليفة ، قالوا : غلام حين أبقل [٤] وجهه قالت : ليس هو هو ، فقيل : فاستري إذا أمرك.
ولم يلبث أبو العبّاس أن مات واستحق عندها اليأس ، وأقبل ابنها على الأدب فتأدب وظرف فكتب ونزعت به همته إلى بغداد ، فدخل ديوان أبي [٥] أيوب كاتب المنصور ، وانقطع إلى بعض أهله ، فأتى عليه زمان يتقوّت الكتب ، ويتزيد في أدبه وفهمه وخطه ، حتى بلغ أن صار يكتب بين يدي أبي [٦] أيوب إلى أن تهيّأ أن خرج خادم يوما إلى الديوان يطلب كاتبا يكتب بين يدي المنصور ، فقال أبو أيوب للغلام : خذ دواتك وقم واكتب بين يدي أمير المؤمنين ، فدخل الغلام فكتب وكانت تتهيّأ من أبي جعفر إليه النظرة بعد النظرة ، فتأمّله وألقيت عليه محبّته واستجاد خطه واسترشق فهمه ، فلبث زمانا لا يزال الخادم قد خرج فيقول : يا غلام خذ دواتك وقم واكتب بين يدي أمير المؤمنين ، واستراح أبو أيوب إلى مكانه ، ورأى أنه قد حمل
[١] كذا بالأصل ، وفي الجليس الصالح : القدر.
[٢] الزيادة عن الجليس الصالح.
[٣] اللقن : العاقل الذكي.
[٤] أي أول ما نبتت لحيته ، وفي الجليس الصالح : اتصل وجهه.
[٥] الأصل : «ابن» والصواب ما أثبت ، مرّ التعريف به.
[٦] الأصل : «ابن» والصواب ما أثبت ، مرّ التعريف به.