جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) - أبو البركات الباعوني - الصفحة ٣٥٣
ما شوقتنا إليه تشوقنا أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها ولا نشبع، وقد زاد بعضها على بعض فافتضحنا بأكلها ؟ واصطلحنا على حبها فأعمت أبصار صالحينا وفقهائنا [١] فهم ينظرون بأعين غير صحيحة، ويسمعون بأذان غير سميعة، فحيث ما زالت زالوا معها، وحيث ما أقبلت أقبلوا إليها، وقد عاينوا المأخوذين على الغرة كيف فجأ بهم الاومر، ونزل بهم المحذور، وجاءهم من فراق الاحبة ما يتوقعون، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون [٢] فارقوا الدنيا وصاروا إلى القبور، وعرفوا ما كانوا فيه من الغرور، فاجتمعت عليهم حسرتان: حسرة الفوت وحسرة الموت [٣] فاغبرت لها وجوههم، وتغيرت ألوانهم، وعرقت جباههم وشخصت أبصارهم، فبردت أطرافهم وحيل بينهم وبين المنطق [٤] وإن أحدهم لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه. ثم زاده الموت في جسده حتى خالط بصره فذهب من الدنيا معرفته، وهلكت عند ذلك حجته، وعاين هول امر كان مغطى عنه، فأخد لذلك بصره. ثم زاده الموت في جسده حتى بلغت نفسه الحلقوم، ثم خرج روحه من جسده فصار جسدا ملقى ببين أهله لا يجيب داعيا ولا يسمع باكيا. فنزعوا ثيابه ثم غسلوه ثم وضئوه للصلاة، ثم كفنوه إداجا في أكفانه، ثم حملوه إلى قبره فنزلوه حفرته، ثم تركوه مخلى بمعظعات من الامور [٥]، ثم المسألة من منكر ونكير
[١] وفي نهج البلاغة: ثم أرسلت داعيا يدعو إليها، فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبت إليه رغبوا ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا ! ! ! أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها واصطلحوا على حبها....
[٢] وفي نهج البلاغة: كيف نزيل بهم ما كانوا يجهلون، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون، وقدموا من الاخرة على ما كانوا يوعدون، فغير موصوف ما نزل بهم....
[٣] وفي الخطبة الاستنفارية المتقدمة في وسط هذا الباب في الورق ٥٥ / ب /: فاجتمعت عليهم خلتان: سكرة الموتا وحسرة الفوت....
[٤] وفي المعيار الموازنة ص ٢٨٥ ط ١: اجتمعت عليهم خلتان: سكرة الموت وحيرة الفوت، فاغترت لها وجوههم وتغيرت لها الوانهم وفترت لها أطرافهم....
[٥] كذا في أصلي هاهنا، وفي الخطبة الاستنفارية المتقدمة في وسط الباب: ثم حملوه حتى أتوا به قبره فأدخلوه [ فيه ] ثم انصرفوا عنه، وخلوه بمفظعات الامور، مع ظلمة القبر وضيقه ووحشته... وفي المعيار والموازنة ص ٢٨٦ ط ١: فخلا في ظلمة القبر وضيقه ووحشته، فذلك مثواه حتى يبلى جسده ويصير رفاتا ورميما... (*)