جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) - أبو البركات الباعوني - الصفحة ٣٣٧
فهل سمعتم بمثل هذا الثواب والعقاب ؟ ما للناس من هول نام طالبه وأدركه هاربه أو سها عن ذكره ؟ أو تشاعل عنه بغيره ؟ تشاغل أهل الدنيا بدنياهم وتشاغل أهل الآخرة بأخراهم. فأما أهل الدنيا فأتعبوا آبدانهم ودنسوا أعراضهم وخرجوا [ عن ] ديارهم في طاعة مخلوق مثلهم، تعبدوا له وطلبوا ما في يده وأذعنوا له ووطؤا عقبه، فصار أحدهم يرجو عبدا مثله، لا يرجو الله وحده. وأما صاحب الطاعة [١] فاتبع أثر نييه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وسلك مناهجه وكان له فيه أسوة حسنة، استن بسنته حين حقر الدنيا وصغرها، فقد كان يركب الحمار ويردف خلفه، وأكل على الارض ويجلس جلسة العبد ويجيب المملوك، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويكره الستر على بابه فيه التصاوير، ويقول: يا عائشة أخرجيه عني ! ! ! فمن استن بسنته واقبص أثره [٢] وإلا فلا يأمنن هلكته. الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أرسله رحمة وحجة ؟ فجلت ووصلت إلينا نعمه بنعمة أسبغها علينا، فبلغ رسالات ربه وناصح لامته منذرا وداعيا، فما أعظم النعمة علينا بمحمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم / ٥٧ / وبه هدانا الله من الضلالة، واستنقذنا به من جمر [ ا ] ت النار [٣] وبصرنا به من العمى وعلمنا به بعد الجهالة وأعزنا به في خلتنا [٤] وكثرنا به في قلتنا [٥] ورفع به خسيسنا ونحن بعد نرجو شفاعته، والله أوجب حقه علينا فرنا بالصلاة، فصلوا عليه، صلى الله عليه [ وآله ] وسلم. فلما فرغ من الصلوات قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد عظمت الله فلم تأل في تعظيمه، وحمدته فلم تأل في تحميده، وحثثت الامة وزهدت ورغبت [٦]. فقال علي [ عليه السلام ]: نحن أصحاب رايات بدر، لا ينصرنا إلا مؤمن ولا
[١] المراد من صاحب الطاعة - هنا - هو شخص أمير المؤمنين عليه السلام.
[٢] جواب الشرط محذوف أي فهو ناج. والاقصاص: الاتباع.
[٣] رسم الخط في أصلي في هذه الجمل غير واضح، هكذا: " واستعذنا به من حر النار... "
[٤] أي في حال فقرنا وحاجتنا. والخلة - بفتح الخاء على زنة سلة -: الفقر والفاقة، والجمع خلل وخلال كجبل وجبال.
[٥] هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " وكبرنا " بالموحدة التحتانية.
[٦] هذا هو الظاهر وفي أصلي: وحمسنا لامة... ". (*)