جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) - أبو البركات الباعوني - الصفحة ٣٣٥
رهونهم فهم يعضون الايدي حسرة وندامة على [ ما ] جمعوا [١] وأسفو على ما فرطوا، وزهذوا فيما كانوا فيه راغبين [ فتمنوا أن ] الذي كانوا يغبطون به ويحسدون عليه لم يكن [٢]. ثم لم يزل الموت بالمرء يزيده ويبالغ في جسده حتى خالط سمعه فصار بين أهله لا ينطق بلسانه، ولا يسمع بسمعه، ويردد طرفه في النظر في وجه أهله وأحبابه، يرى حرحكات ألسنتهم ولا يسمع كلامهم، وما زال الموت يزيده حتى خال عقله وصار لا يعقل بعقله ولا يسمع بسمعه ولا نيطق بلسانه، ثم زاده الموت حتى خالط بصره فذهب من الدنيا معرفته، وهملت عند ذلك حجته [٣] فاجتنعت عليه خلتان: سكرد الموت وحسر الفوت، فمازال كذلك حتى بلغت الروح الحلقوم، ثم زاده الموت حتى خرج الروح من جسده [٤] فصار جيفة بين أهله، قد أوحشوا من جانبه [ وتباعدوا من قربه ] لا يسعد باكيا ولا يجيت داعيا [٥] ثم أخذوا في غسله فنزعوا عنه ثياب أهل الدنيا ثم كفنوه فلم يوزروه [٦] ثم ألبسوه قميصا لم يكفؤوا عليه أسفله ولم يزروه [٧] ثم حملوه حتى أتوا به قبره فأدخلوه ثم انصرفوا عنه، وخلوه بمفظعات الامور [٨] مع ظلمة القبر وضيقه ووحشته، فذلك مثواه حتى يبلى جسده ويصير رفاتا ورميما، حتى إذا بلغ الامر إلى مقاديره وألق آخر الخلق بأوله، وجاء من الله وأمره ما يريد [ ه ] من أعادته وتجديد خلقه أمر بصوت من سماواته، أما السماوات ففتقها وفطرها [٩] وأفزع من فيها، وبقي ملائكتها قائمة
[١] ما بين المعقوفين زيادة منا لتصحيح الكلام، ولفظه: " جمعوا " رسم خطها غامض في أصلي.
[٢] هذا هو الظاهر، وفي لفظ أصلي غموض.
[٣] لعل هذا هنو الصواب، ورسم الخط في قوله: (وهملت) في أصلي غير واضح، وكأنه يقرأ: " هتكت - أو - همكت " وهملت: أهملت.
[٤] هذا هو الظاهر، وفي + صلي: " حتى أخرج الروح من جسده... ". والجيفة: المنتنة من جسد ذي روح خرج الروح منه.
[٥] ما بين المعقوفين مأخوذ من المختار: " ١٠٧ " من نهج البلاغة.
[٦] كذا في أصلي، وقوله: فلم يوزروه: لم يلبسوه الوزرة.
[٧] ولم يزروه: لم يجعلوا له زرا يجمعه عليه وحيفظه.
[٨] الباء في قوله: " بمفظعات الامور " بمعنى إلى. والرفاة - بضم الراء -: المنكسر البالي. والرميم: البالي.
[٩] فتقها: شقها وفصل بعضها من بعض. ونطر الشئ: شقها. (*)