محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٦٠
المفاهيم الأدوية بأجمعها معان إيجادية في الكلام و لا تقرر لها في عالم المفهومية و لا استقلال بذاتها و حقيقتها. و بيان ذلك: ان الموجودات في عالم الذهن، كالموجودات في عالم العين، فكما ان الموجودات في عالم العين على نوعين:
أحدهما: ما يكون له وجود مستقل بحد ذاته في ذلك العالم، كالجواهر بأنواعها من النّفس و العقل و الصورة و المادة و الجسم و لذا قالوا: ان وجودها في نفسه لنفسه يعنى لا يحتاج إلى موضوع محقق في الخارج.
و ثانيهما: ما يكون له وجود غير مستقل كذلك في هذا العالم، بل هو متقوم بالموضوع، كالمقولات التسع العرضية فان وجوداتها متقومة بموضوعاتها، فلا يعقل تحقق عرض ما بدون موضوع يتقوم به و لذا قالوا: ان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فكذلك الموجودات في عالم الذهن على نوعين:
أحدهما: ما يكون له استقلال بالوجود في عالم المفهومية و الذهن، كمفاهيم الأسماء بجواهرها و أعراضها و اعتبارياتها و انتزاعياتها، فان مثل مفهوم الإنسان و السواد و البياض و غيرها من المفاهيم المستقلة ذاتاً، فانها تحضر في الذهن بلا حاجة إلى أية معونة خارجية، سواء كانت في ضمن تركيب كلامي أم لم تكن بل لو فرضنا فرضاً انه لم يكن في العالم مفهوم ما عدا مفهوم واحد - مثلا - لما كان هناك ما يمنع من خطوره في الذهن، فظهر أن حال المفاهيم الاسمية في عالم المفهوم و الذهن حال الجواهر في عالم العين و الخارج.
و ثانيهما: ما لا استقلال له في ذلك العالم، بل هو متقوم بالغير كمعاني الحروف و الأدوات فانها بحد ذاتها و أنفسها متقومة بالغير و متدلية بها، بحيث لا استقلال لها في أي وعاء من الأوعية التي فرض وجودها فيه لنقصان في ذاتها فعدم الاستقلالية من ناحية ذلك النقصان لا من ناحية اللحاظ فقط، فلذا لا تخطر في الذهن عند التكلم بها وحدها أي (من دون التكلم بمتعلقاتها) فلو أطلق كلمة (في) وحدها أي (من دون ذكر متعلقها) فلا يخطر منها شيء في الذهن.