محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٤
لمعانيها التي تدل عليها فضلا عن سائر اللغات، كما انا نرى وجداناً عدم الدلالة الذاتيّة، بحيث يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المختص به، بل اللّه تبارك و تعالى هو الواضع الحكيم جعل لكل معنى لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا، و جعله تبارك و تعالى هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل و إنزال كتب، و جعل الأمور التكوينية التي جبل الإنسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء و نحو ذلك. فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر، لا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصى، بل يلهم اللّه تبارك و تعالى عباده - على اختلافهم - كل طائفة بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص. و مما يؤكد المطلب:
انا لو فرضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أي لغة، لما قدروا عليه، فما ظنك بشخص واحد مضافاً إلى كثرة المعاني التي يتعذر تصورها من شخص أو اشخاص متعددة؟» أقول: يتلخص نتيجة ما أفاده - قده - في أمور:
الأول: ان الواضع هو اللّه تبارك و تعالى، و لكن لا بطريق إرسال الرسل و إنزال الكتب، كما هو الحال في إيصال الأحكام الشرعية إلى العباد، و لا بطريق جعل الأمور التكوينية التي جبل الإنسان على إدراكها بل بطريق الإلهام إلى كل عنصر من عناصر البشر على حسب استعداده.
الثاني: التزامه - قده - بوجود مناسبة مجهولة بين الألفاظ و المعاني.
الثالث: ان وضعه تبارك و تعالى انما كان على طبق هذه المناسبة.
الرابع: ان الوضع جعل متوسط بين الجعل التكويني و الجعل التشريعي.
الخامس: انه (قدس سره) بعد نفي الدلالة الذاتيّة استند في دعوى ان اللّه تبارك و تعالى هو الواضع الحكيم دون غيره إلى أمرين:
الأول: انه لا يمكن أن يكون الواضع هو البشر لعدم إمكان إحاطته