محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٧
إلى تفهيمها في أعصارهم، و قد سبق أن الوضع تدريجي الحصول فيزيد تبعاً لزيادة الحاجة في كل قرن و زمن.
و من ذلك تبين ملاك ان كل مستعمل واضع حقيقة و أما إطلاق الواضع على الجاعل الأول دون غيره فلأسبقيته في الوضع لا لأجل انه واضع في الحقيقة دون غيره.
و لكن ربما يشكل بان التعهد و الالتزام حسب ما ارتكز في الأذهان، أمر متأخر عن الوضع و معلول له، فان العلم بالوضع يوجب تعهد العالم به بإبراز المعنى عند قصد تفهيمه بمبرز مخصوص، لا انه عينه. و من هنا لا يصح إطلاق الواضع على غير الجاعل الأول، فلو كان معنى الوضع ذلك التعهد و الالتزام النفسانيّ لصح إطلاقه على كل مستعمل من دون عناية، مع ان الأمر ليس كذلك.
و الجواب عنه ان يقال: انه لو أريد بتأخر التعهد عن الوضع تعهد المتصدي الأول للوضع فذاك غير صحيح، و ذلك لأن تعهده غير مسبوق بشيء ما عدا تصور اللفظ و المعنى، و من الواضح أن ذلك التصور ليس هو الوضع بل هو من مقدماته و لذا لا بد منه في مقام الوضع بأي معنى من المعاني فسر و عليه فنقول: ان المتصدي الأول له بعد تصور معنى خاص و لفظ مخصوص، يتعهد في نفسه بأنه متى قصد تفهيمه، ان يجعل مبرزه ذلك اللفظ ثم يبرز ذلك التعهد بقوله: «وضعت» أو نحوه في الخارج.
و مما يدلنا على ذلك بوضوح، وضع الاعلام الشخصية، فان كل شخص إذا راجع وجدانه ظهر له أنه إذا أراد أن يضع اسماً لولده - مثلا - يتصور أولا ذات ولده و ثانياً لفظاً يناسبه ثم يتعهد في نفسه بأنه متى قصد تفهيمه يتكلم بذلك اللفظ، و ليس هاهنا شيء آخر ما عدا ذلك.
و ان أريد به تعهد غيره من المستعملين، فالأمر و ان كان كذلك - يعنى ان تعهدهم و ان كان مسبوقاً بتعهده - إلا إنه لا يمنع عن كونهم واضعين حقيقة،