محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٧
و لما كان مرور الزمن موجباً لاتساع حاجاتهم و ازديادها، كان من الطبيعي ان يزداد الوضع و يتسع.
اما الذين يقومون بعملية الوضع، فهم أهل تلك اللغة في كل عصر من دون فرق بين أن يكون الواضع واحداً منهم أو جماعة، و ذلك أمر ممكن لهم، فان المعاني الحادثة التي يبتلى بها في ذلك العصر إلى التعبير عنها ليست بالمقدار الّذي يعجز عنه جماعة من أهل ذلك العصر أو يعجز عنه واحد منهم، فانها محدودة بحد خاص.
و قد تلخص من ذلك أمران: الأول: ان أهل اللغة ليسوا بحاجة إلى وضع ألفاظها للمعاني التي تدور عليها الإفادة و الاستفادة في جميع العصور، ليقال ان البشر لا يقدر على ذلك، بل يمكن الوضع بشكل تدريجي في كل عصر حسب تدريجية الحاجة إلى التعبير عنها.
الثاني: اننا لسنا بحاجة إلى وضع جميع الألفاظ لجميع المعاني، فان الوضع لما يزيد عن مقدار الحاجة لغو محض.
و اما الثاني و هو (ان الواضع لو كان بشراً لنقل ذلك في التواريخ لأن مثل هذا العمل يعتبر من أعظم الخدمات للبشر و لذلك تتوفر الدواعي على نقله) فيرد عليه ان ذلك إنما يتم لو كان الواضع شخصاً واحداً أو جماعة معينين و أما إذا التزمنا بما قدمناه من أن الواضع لا ينحصر بشخص واحد أو جماعة معينين، بل كل مستعمل من أهل تلك اللغة واضع بشكل تدريجي، فلا يبقى مجال للنقل في التواريخ.
نعم لو كان الواضع شخصاً واحداً أو جماعة معينين، لنقله أصحاب التواريخ لا محالة.
و مما يؤكد ما ذكرناه ما نراه من طريقة الأطفال عند ما يحتاجون إلى التعبير.
عن بعض المعاني فيما بينهم، فانهم يضعون الألفاظ لهذه المعاني و يتعاهدون ذكرها عند إرادة إبراز ما يختلج في أذهانهم من الأغراض و المقاصد، و لا نجدهم يتخلفون عن هذه الحال، حتى انهم لو عاشوا في مناطق خالية من السكان لتكلموا