محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٦
اختصاص له بالوضع.
و قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) ان اللّه تبارك و تعالى كما منّ على عباده بهدايتهم تشريعاً، و سوقهم إلى الحياة الأبدية بإرسال الرسل و إنزال الكتب، كذلك من عليهم بهدايتهم تكوينا بإلهامهم إلى سيرهم نحو كمالهم، بل ان هذه الهداية موجودة في جميع الموجودات، فهي تسير نحو كمالهم بطبعها أو باختيارها، و اللّه هو الّذي أودع فيها قوة الاستكمال فترى الفأرة تفرّ من الهرة و لا تفر من الشاة.
و على الجملة ان مسألة الإلهام أجنبية عن تحقق معنى الوضع بالكلية، فان الإلهام من الأمور التكوينية الواقعية، و لا اختصاص له بباب الوضع و المبحوث عنه هو معنى الوضع كان الوضع بإلهام إلهي أم لم يكن.
و أما الأمر الخامس و هو استناده فيما ذكره من أن اللّه تبارك و تعالى هو الواضع الحكيم، لو تم فانما يتم لو كان وضع الألفاظ لمعانيها دفعياً و في زمان واحد، إلا أن الأمر ليس كذلك، فان سعة دائرة الوضع و ضيقها تتبع سعة دائرة الغرض و ضيقها و من الواضح ان الغرض منه ليس إلا ان يتفاهم بها وقت الحاجة و تبرز بها المعاني التي تختلج في النفوس لئلا يختل نظام حياتنا (المادية و المعنوية) و من الظاهر ان كمية الغرض الداعي إليه تختلف سعة و ضيقاً بمرور الأيام و العصور ففي العصر الأول (و هو عصر آدم عليه السلام) كانت الحاجة إلى وضع ألفاظ قليلة بإزاء معان كذلك، لقلة الحوائج في ذلك العصر، و عدم اقتضائها أزيد من ذلك، ثم ازدادت الحوائج مرة بعد أخرى و قرناً بعد آخر بل وقتاً بعد وقت، فزيد في الوضع كذلك.
و عليه فيتمكن جماعة بل واحد من أهل كل لغة على وضع ألفاظها بإزاء معانيها في أي عصر و زمن، فان سعة الوضع و ضيقه تابعان لمقدار حاجة الناس إلى التعبير عن مقاصدهم سعة و ضيقاً.