الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٤ - المسألة الأولى في الشبهة الحكمية التحريمية لفقدان النص
قوله: (وَما كُنّا)إمّا بمعنى:«نفي الشأن» كما في قوله: (وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) أو لنفي الإمكان، كما في قوله:(وَ ما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجّلاً) (آل عمران/١٤٥).
وبعث الرسول كناية عن البيان الواصل إلى المكلّف، لانّه لو بَعَثَ الرسول و لم يكن هناك بيان، أو كان هناك بيان و لم يصل إلى المكلّف، لما صحّ التعذيب و لَقبُحُ عقابُه، فالدافع لقبح العقاب هو البيان الواصل بمعنى وجوده في مظانّه على وجه لو تفحص عنه المكلّف لعثر عليه.
والمفروض أنّ المجتهد تفحص في مظانّ الحكم و لم يعثر على شيء يدلّ على الحرمة، لا بالعنوان الأوّلي، كما إذا قال: لا تشرب التتن; ولا بالعنوان الثانوي، كما إذا أمر مولوياً بالاحتياط عند الشبهة، فينطبق عليه مفاد الآية، و هو أنّ التعذيب فرعُ البيان الواصل و المفروض عدم التالي (البيان بالعنوان الأوّلي أو الثانوي) فيكون المقدم مثله .
ومثله قوله سبحانه:(يا أَهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِير وَ لا نَذير فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ)(المائدة/١٩). فإنّ ظاهره ـ انّه لولا مجيء الرسول ـ كان لهم الاحتجاج بقولهم: (ما جاءَنا مِنْ بَشِير وَ لا نَذِير ) و لأجل صحّة الاحتجاج أفحمهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإيصال البيان حتى يكون للّه الحجّة البالغة، ولا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل.[١]
٢. الإضلال فرع البيان
قال سبحانه:(وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبيِّنَ لَهُمْ ما
[١] اقتباس من قوله سبحانه:(رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ لِئلاّ يَكُون لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حجّة بَعْدَ الرُّسُل وَكانَ اللّهُ عَزيزاً حَكِيماً)(النساء/١٦٥)ولاحظ (الأنعام/١٤٩).