رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٧٠ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
عادته في كتابه. وكانت اليمن هي مقر ملوك التبابعة وغيرهم من ملوك العرب ، وهي من الإقليم الثالث ، وأسلم أهلها سلما على عهد النبيّ ٦وسلم ، وورد بفضلها كثير من الأخبار والآثار ، ووصفها بعض العرب فقال : تضعف الأجسام ، وتقوى الأفهام. لأهلها هم كبار ، ولهم أحساب وأخطار ، مغايضه [١] خصبة وأطرافه جدبه ، في هوائه انقلاب ، وفي سكانه اغتيال [٢] ، ولهم قطعة من الحنين ، وشعبة من الرقّة ، وفقرة من الفصاحة.
وكانت لشيخنا المذكور مع إمام اليمن اسماعيل المقدّم ذكره مناظرات ، ومنها الكلام على المنزلة بين المنزلتين. فإن اعتقاد الزيدية والمعتزلة : أنّ الفاسق يخرج بفسقه عن حدّ الإيمان ولا يصل إلى مرتبة الكفر. وهذه المقالة أول من ذهب إليها واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزّال [٣]. قال السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة المعتزلي : إن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري ، فلما ظهر الاختلاف وقال الخوارج بتفكير مرتكبي الكبائر وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر خرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال : إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر ، منزلة بين منزلتين ، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه ، وجلس إليه عمرو بن عبيد [٤] فقيل لهما ولأتباعهما : معتزلون ، وألّف مولانا الشيخ في الردّ عليهم رسالة.
ومنها أنّه سأله عن إمامة نفسه وقال : ألست بإمام حق؟ قال : لا. والزيدية يجوزون أنّ كلّ من يكون عالما زاهدا شجاعا خرج بالسيف يكون إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن ، أو من أولاد الحسين. وعلى هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وابراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن
[١] مغيض الماء : مدخله في الأرض ، ومجتمعه. جمعه مغايض.
[٢] الاغتيال ـ هنا ـ الكثرة والكثافة.
[٣] واصل بن عطاء رأس المعتزلة ، وأحد البلغاء المبرزين توفي سنة ١٣١ ه (معجم المؤلفين ١٣ / ١٩٥).
[٤] عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة وأحد الزهاد المشهورين توفي سنة ١٤٤ ه (الأعلام ٥ / ٢٥٢).