رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٣٤ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
بالطلب. وحثّ على أن يكون إليه المنقلب ، فلم نر بدّا من الإجابة ، كي لا نجيء الخطأ من باب الإصابة ، فأخذنا في أهبة السفر ، والاستعداد لما دهم به البين وظفر ، ثم فارقنا تلك الأوطان مفارقة الأرواح للأبدان.
هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد [١]
فكان خروجنا من مكة المشرفة ليلة السبت لستّ خلون من شعبان المعظّم عام ست وستين وألف ، وذلك بعد أن تملّيت [٢] من تلك المآثر الكرام ، وتلوت (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)[٣] فسرنا على اسم الله ، والمودعون يزرّون الأعضاد على الأجياد ، والمدامع تذري هواطل دمعها على أجياد [٤] وقد أذن جمع الشمل بالانصداع ، وعلمنا صدق قول القائل :
| ما خلق الله من عذاب | أشدّ من وقفة الوداع |
وعلى ذكر الوداع : حكى القاضي أبو بكر بن العربي : أنهم خرجوا لوداع حجّ العراق فنظروا إلى فتى يتأمل الهوادج هودجا هودجا وهو كالذاهل إلى أن تعب وكلّ فوقف وأنشد :
| أحجاج بيت الله في أيّ هودج | وفي أيّ خدر من خدوركم حبّي | |
| أأبقى رهين الجسم في أرض غربة | وحاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب | |
| فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي | ولم أتمتّع بالجوار وبالقرب | |
| يقولون هذا آخر العهد بيننا | فقلت وهذا آخر العهد من قلبي |
ثم رمى بنفسه إلى الأرض وجعل يقول :
| خلّ نار القلب تشتعل | خلّ دمع العين ينهمل |
_________________
[١] البيت لأبي العلاء المعري (وفيات الأعيان ١ / ٩٦).
[٢] تملّيت : استمتعت.
[٣] سورة الأسراء / ١.
[٤] أجياد : جبل بمكة المكرمة ، وهما أجيادان كبير وصغير ، وهما محلتان بمكة.