رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ١٠٦ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
ولم نزل من أمرنا على غمّة ، ومن دهرنا في ليال مدلهمّة ، لا نعرف لمآلنا قبيلا من دبير ، ولا نجد لما تتشوّفه من الخبر من يقول على الخبير. حتى وافت البشائر ، ونصبت للتهاني الأشائر ، بأن قد أقلع ذلك السحاب ، وجاء من ألطاف الله تعالى ما لم يكن في الحساب ، وصفت الأحوال ، وسكنت الفتن ، فسكن الفؤاد عند ذلك واطمأن. وأخذنا في أهبة السفر مستبشرين بالنيل والظفر ، زاعمين أن في وصولنا إلى تلك الدار أمنا من شوائب الدهر والأكدار ، والقضاء يقول من مكمنه : قد يؤتى الحذر من مأمنه.
| ليت الذي علق الرجاء به | إذ لم يجد للصّبّ لم يجد | |
| لم يثمر الظنّ الجميل به | فقدي من الظنّ الجميل قدي | |
| كم من مطامع قد عقدت بها | طمعي فحلّ مرائر العقد | |
| وأعادني منها على أسف | وأباتني فيها على ضمد |
ولمّا أهاب بنا من البين داع ، وآن أوان الارتحال والوداع ، كتبت إلى والي مخا السيّد المقدم ذكره ـ وكان قد عاد من حضرة مخدومه إلى خدمته ـ بهذين البيتين :
| مددت إلى التوديع كفا ضعيفة | وأخرى على الرّمضاء فوق فؤادي | |
| فلا كان هذا العهد آخر عهدنا | ولا كان ذا التّوديع آخر زادي |
وهذان البيتان أنشدهما أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك [١] قال أنشدنيهما والدي عند خروجه إلى الحج.
فكتب إليّ السيد المشار إليه قول أبي الطيب [٢] :
| يا من يعزّ علينا أن نفارقهم | وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم |
ثم ودعناه توديع الولد للوالد ، ولقينا من فراقه ما هان معه الطارف
[١] هو عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجيلي المعروف بشيذلة ، فقيه واعظ ، توفي سنة ٤٩٤ ه (معجم المؤلفين ٦ / ٢٨١).
[٢] هو أبو الطيب المتنبي (أحمد بن الحسين) المقتول سنة ٣٥٤ ه (معجم المؤلفين ١ / ٢٠١).