رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٥٥ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
مفاكه ، فما ظنك بسقيم بحر ناقه ، من موز كمكاحل الذهب ، ورطب كظلم الحبيب إذا وهب ، وأعناب كالدرر المسلوكة ، وحلاوات كالدنانير المسبوكة. فقضينا به يومنا ، واستطبنا فيه نومنا. وكان فيه أول مشاهدتنا للكفرة أولي الجحيم ، فاستعذنا بالله تعالى من الشيطان الرجيم. ولم يكن يقع النظر قبل ذلك على أحد ممّن هو على غير ملّة الإسلام ـ عصمنا الله بهدي صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وحاولنا المرسول إلينا ، والموكّل علينا في السفر من البرّ ، فقد سئمت النفوس مكابدة ذلك البحر الأغبر [١] فأبى إلّا السفر على الماء ، وامتطاء تلك المطيّة الدهماء. فعدنا وفي النفوس من الألم ما الله سبحانه به أعلم. وما ألطف قول القائل :
| البحر أهون من مرارة مائه | أن تستقرّ بأضلعي الرّمضاء | |
| فعليه يوم مضيفنا بفراقه | من كلّ قلع راية بيضاء [٢] |
وما كان منعه من ذلك إلّا فرارا من الانفاق ، وخلافا للوفاق. وكان ممن يرى دخول النار ، ولا خروج الدينار ، ووصال الهمّ ، ولا فراق الدرهم.
| الشمس أقرب من دينار صرّته | والصّخر أندى يدا منه لطالبه |
وأبدع البديع في وصف بخيل فقال : قد جعل يمينه أمينه ، ودنانيره سميره ، ودرهمه شقيقه ، ومفتاحه رفيقه ، وصندوقه صديقه ، وخاتمه خادمه. وبالغ من قال وتلطّف [٣] :
| إنّ هذا الفتى يصون رغيفا | ما إليه لناظر من سبيل | |
| فهو في سفرتين من أدم الطّا | ئف في جونتين في منديل [٤] |
[١] في ك (البحر الأخضر).
[٢] ضاف الرجل : أسرع ، وفر. ضاف وأضاف : مال ، وخاف. القلع (بالكسر) : شراع السفينة.
[٣] البيتان في نهاية الارب ٣ / ٣١٠ بدون عزو.
[٤] الجونتان تثنية الجونة (بالفتح) : الخابية المطلية بالقار. في نهاية الارب (الطائف في سلتين من زنبيل).