رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ١٦ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
| وقد سرّني أنّي من المال مقتر | ولا الوجه مبذول ولا العرض منهوب | |
| كما سرّني أنّي من الفضل موسر | على أنّه فضل من الرّزق محسوب |
فجهدت على أن لا أظفر بنكتة طريفة إلّا نمّقتها ، أو فائدة ظريفة إلّا علّقتها ، أو شعر فائق إلّا كتبته ، أو نثر رائق إلّا أثبتّه ، حافظا لذلك حفظ الجفن لمقلته ، والصدر لمهجته ، والشحيح لدرهمه ، والجريح لمرهمه. حتى كأنّي استدبرت وطنا واستقبلت وطرا ، وسلوت عن قديم ما سلف بحديث ما طرا ، فاجتمع لديّ من نخب اللطائف ما رقّ وراق ، واقتطفته النواظر من ثمرات الأوراق ، وانتخبته نتائج الأفكار ، وجنحت إليه جنوح المفرخ إلى الأوكار ، وتملّت به النفوس ، وتحلّت به المهارق [١] والطروس.
| ملح إذا ذكرت بناد خلته | من نشرها البادي تضمّخ طيبا | |
| ولكم بها قد قام ربّ فضيلة | بين البريّة في البلاد خطيبا |
فأزمعت على أن أجمع ما وقع لي من ذلك رحلة تكون لأولي الألباب من ذوي الآداب نحلة ، أثبت فيها ما وقفت عليه ، وما سأقف إن شاء الله تعالى جانحا إليه ، إلى أن يمنّ الله سبحانه بالعود إلى الوطن ، والأوب إلى العطن ، وأورد خلال ذلك من الطرائف المستظرفة ، والظرائف المستطرفة ما يروق النواظر ، ويجلو صدأ الخواطر ، وتقرّط به المسامع ، ويطرب له الناظر والسامع. فإذ أشرق من أفق الكمال بدرها المنير ، وتفتّق عن حجب الكمام زهرها النضير سمّيتها :
«سلوة الغريب وأسوة الأريب»
ليطابق الاسم مسمّاه ، ويوافق اللفظ معناه ، وفيها أقول :
| رحلتي المشتهاة تزري | بالرّوض عند الفتى الأريب | |
| فإن تغرّبت فاصطحبها | فإنّها سلوة الغريب |
[١] المهارق جمع المهرق (بالضم) : ثوب حرير أبيض يسقى بالصمغ ويصقل ثم يكتب فيه.