حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٦٥ - ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
بغداد ، ومات خلق تحت الهدم ، وركب النّاس في المراكب ، واستغاثوا بالله ، وعاينوا التّلف ، ودخل الماء من أسوار البلاد ، وانهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا ، وانهدم مخزن الخليفة ، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح.
قال ابن السّبكي في الطبقات الكبرى : وكان ذلك من جملة الأمور ، التي هي مقدّمة لواقعة التّتار.
وفي هذه السنة ، في يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة ، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرّعد البعيد تارة وتارة ، وأقام على هذه الحالة يومين ، فلمّا كان ليلة الأربعاء تعقّب الصوت زلزلة عظيمة ، رجفت منها الأرض والحيطان ، واضطرب المنبر الشريف ، واستمرّت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر ، ظهر من الحرّة نار عظيمة ، وسالت أودية منها سيل الماء ، وسالت الجبال نارا ، وسارت نحو طريق الحاجّ العراقيّ ، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلا [١] ، ولها كلّ يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة ، واستغاث النّاس بنبيّهم ٦ ، وأقلعوا عن المعاصي ، واستمرّت النار فوق الشهر ، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر ، وكسفت الشمس في غدوة ، وبقيت أياما متغيّرة اللون ضعيفة النور ، واشتدّ فزع الناس ، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه ، فطرح المكوس ، وردّ على الناس ما كان تحت يده من أموالهم.
وقال سيف الدين عليّ بن [٢] عمر بن قذل المشدّ في هذه النار :
| ألا سلّما عنّي على خير مرسل | ومن فضله كالسّيل ينحطّ من عل | |
| وأشرف من شدّت إليه رحالنا | لتورد هيم الشّوق أعذب منهل | |
| تحمّلن منّا كلّ أشعث أغبر | فيا عجبا من رحلها المتحمّل! | |
| إلى سيّد جاءت بعالي محلّه | ومعجزه آي الكتاب المنزّل | |
| نبيّ هدانا للهدى بأدلّة | فهمنا معانيها بحسن التأوّل | |
| محمّد المبعوث ، والغيّ مظلم | فأصبح وجه الرّشد مثل السّجنجل [٣] | |
| وقولا له : إنّي إليك لشيّق | عسى الله يدني من محلّك محملي |
[١] شذرات الذهب : ٥ / ٢٦٣.
[٢] هو سيف الدين بن المشد سلطان الشعراء صاحب الديوان المشهور الأمير أبو الحسن علي بن عمر بن قزل التركماني ، ولد سنة ٦٠٢ ه بمصر ، وكان فاضلا كثير الخير والصدقات ذا مروءة ، توفي في تاسع المحرم سنة ٦٥٦ ه بدمشق ودفن بقاسيون. [شذرات الذهب : ٥ / ٢٨٠].
[٣] السجنجل : المرآة. (يونانية).