حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٩٠ - ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان ، والحمد لله وهو من الخلق أحمد ، وقد آتاه الله ملك سليمان ، والله يمتّع أمير المؤمنين بما وهبه ، ويملّكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه ، فلا يزال على سدّة العلياء قعوده ، ولدست الخلافة به أبّهة الجلالة كأنّه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا رشيده.
ومن قصيدة ابن فضل الله التي سمّاها حسن الوفاء بمشاهير الخلفاء :
| وطار منهم نحو مصر قشعم | قد جاءها كما يجيء الطائر | |
| قال أخي مستنصر ووالدي | والده وهو الإمام الظاهر | |
| فلقّبوه مثله مستنصرا | وذاك أنّ جدّ هذا الناصر | |
| وكان منه الظاهر السلطان ذا | خوف ومن بأسائه يحاذر | |
| فبايعوا الحاكم بعد أن أتى | وفر فالتفّت به العشائر | |
| وهو أبو العبّاس أحمد الرضا | من ولد الرّاشد نجم زاهر | |
| وقام مستكف كفاه ربّه | جميع ما يخاف ناه آمر | |
| وبعده الواثق إبراهيم لا | عاد ولا دارت له الدوائر | |
| والحاكم الآن إمام عصرنا | بشرى لنا إنّا له نناصر |
ثمّ في يوم الاثنين ثاني محرم سنة اثنتين وأربعين حضر الخليفة الحاكم والسلطان المنصور والقضاة بدار العدل ، فجلس الخليفة على الدرجة العلياء ، وعليه خلعة خضراء ، وفوق عمامته طرحة سوداء مرقومة بالذهب ، وجلس السلطان دونه ، فقام الخليفة وخطب خطبة افتتحها بقوله :
(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل : ٩٠] ، وبقوله : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ) [النحل : ٩١] ثمّ أوصى الأمراء بالرفق بالرعيّة وإقامة الحقّ ، وتعظيم شعائر الإسلام ونصرة الدين ، ثمّ قال : فوّضت إليك جميع أحكام المسلمين ، وقلّدتك جميع ما تقلّدته من أمور الدين (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) [الفتح : ١٠] وقرأ الآية ، وجلس. ثمّ جيء بخلعة سوداء ألبسها الخليفة السلطان بيده ، ثمّ قلّده سيفا عربيّا ، ثمّ أخذ علاء الدين بن فضل الله كاتب السر في قراءة عهد الخليفة للسلطان ، حتّى فرغ منه ، ثمّ قدّمه إلى الخليفة ، فكتب عليه ثمّ كتب بعده القضاة الأربعة بالشهادة عليه واستمرّ الخليفة في