حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٧٢ - ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
غورا ونجدا ، وفوّض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت بالمكارم فردا ، ولا جعل منها بلدا من البلاد ولا حصنا من الحصون يستثنى ، ولا جهة من الجهات تعدّ في الأعلى ولا في الأدنى.
فلاحظ أمور الأمّة فقد أصبحت لها حاملا ، وخلّص نفسك من التّبعات اليوم ففي غد تكون مسئولا لا سائلا ، ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا ، وما رآها أحد بعين الحقّ إلا رآها حائلا زائلا ؛ فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة ، وقدّم لنفسه زاد التقوى ؛ فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة. وأبسط يدك بالإحسان والعدل فقد أمر الله بالعدل وحثّ على الإحسان ، وكرّر ذكره في مواضع القرآن ، وكفّر به عن المرء ذنوبا كتبت عليها وآثاما ، وجعل يوما واحدا منها كعبادة العابد ستّين عاما. وما سلك أحد سبيل العدل إلّا واجتنيت ثماره من أفنان ، ورجع الأمر به بعد تداعي أركانه وهو مشيّد الأركان ، وتحصّن به من حوادث زمانه ؛ والسعيد من تحصّن من حوادث الزمان.
وكانت أيّامه في الأيّام أبهى من الأعياد ، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه الجياد ، وأحلى من العقود إذا حلّي بها عاطل الأجياد.
وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نوّاب وحكّام ، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام ؛ فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقّب عليه تنقيبا ، واجعل عليه في تصرّفاته رقيبا ، واسأل عن أحواله ففي يوم القيامة تكون عنه مسئولا ، وبما اجترم [١] مطلوبا. ولا تولّ منهم إلّا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا.
وأمرهم بالأناة في الأمور والرّفق ، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلّة الحقّ ، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم والوجه الطلق ؛ وألّا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحقّ ، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعايا إخوانا ، وأن يوسعوهم برّا وإحسانا ، وألّا يستحلّوا حرماتهم إذا استحلّ الزمان لهم حرمانا ، فالمسلم أخو المسلم ولو كان أميرا عليه وسلطانا. والسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله ، واستنّوا بسنّته في تصرّفاته وأحواله ، وتحمّلوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله ؛ ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيّىء السّنن ، وجدّد من المظالم التي هي من أعظم المحن ، وأن يشترى بإبطالها المحامد ، فإنّ المحامد رخيصة بأغلى ثمن. ومهما جبي منها من الأموال فإنّما هي باقية في الدم حاصلة ، وأجياد الخزائن وإن
[١] اجترم : أذنب.