حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٣٢٧ - ذكر خليج مصر
يطمّ هذا الخليج حتّى لا تحمل الميرة من مصر إلى المدينة ، فطمّ وانقطع من حينئذ اتصاله ببحر القلزم ، وصار على ما هو عليه الآن.
وكان هذا الخليج يقال له أولا خليج أمير المؤمنين ـ يعني عمر بن الخطاب ـ لأنّه الذي أشار بتحديد حفره ، ثمّ صار يقال له خليج مصر ؛ فلمّا بنيت القاهرة بجانبه من شرقيّه صار يعرف بخليج القاهرة ، والآن تسمّيه العامة بالخليج الحاكميّ. وتزعم أنّ الحاكم احتفره ، وليس بصحيح. وكان اسم الذي حفره في زمن إبراهيم ٧ طوطيس [١] وهو الجبّار الذي أراد أخذ سارة ، وجرى له معها ما جرى ، ووهب لها هاجر. فلمّا سكنت هاجر مكّة وجّهت إليه تعرّفه أنّها بمكان جدب ، فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتّى ينتهي إلى مرفأ [٢] السفن في البحر الملح ؛ فكان يحمل إليها الحنطة ، وأصناف الغلات ، فتنقل إلى جدّة ، ويحمل من هناك على المطايا ، فأحيا بلد الحجاز مدّة. وكان اسم الذي حفره ثانيا أرديان [٣] قيصر ، وكان عبد العزيز بن مروان بنى عليه قنطرتين [٤] في سنة تسع وستّين ، وكتب اسمه عليها ، ثمّ جدّدهما تكين أمير مصر في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة ، ثمّ جدّدهما الإخشيد في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ثم عمرتا في أيام العزيز ، وكان موضع هاتين القنطرتين خلف خط السبع سقايات وهي التي كانت تفتح عند وفاء النيل في زمن الخلفاء ، وكان الخليفة يركب لفتح الخليج. فلما انحسر النيل عن ساحل مصر ، وربا الجرف أهملت هذه القنطرة فدثرت ، وعملت قنطرة السدّ عند فم بحر النيل ، وكان الذي أنشأها الملك الصالح أيّوب في سنة بضع وأربعين وستمائة.
قال ابن عبد الظاهر [٥] : وأوّل من رتّب حفر خليج القاهرة على الناس المأمون بن البطائحيّ ، وجعل عليه واليا بمفرده.
ولأبي الحسن بن الساعاتي [٦] في كسر يوم الخليج :
| إنّ يوم الخليج يوم من الحس | ن بديع المرئيّ والمسموع | |
| كم لديه من ليث غاب صؤول | ومهاة مثل الغزال المروع |
[١] في الخطط المقريزية : ٢ / ١٤٠ : طيطوس ابن ماليا بن كلكن ... بن حام بن نوح.
[٢] في الخطط المقريزية : ٢ / ١٤٠ : مرقى.
[٣] في الخطط المقريزية : ٢ / ١٤١ : أدريان.
[٤] في الخطط المقريزية : ٢ / ١٤١ : قنطرة.
[٥] في الخطط المقريزية : ٢ / ١٤٤ : عن مختصر تاريخ ابن المأمون.
[٦] في شذرات الذهب : ٥ / ١٢ : هو بهاء الدين علي بن محمد بن رستم الشاعر صاحب ديوان الشعر ، له ديوان شعر يدخل في مجلدين أجاد فيه كل الإجادة ، وآخر لطيف سمّاه مقطعات النيل. توفي سنة ٦٠٤ ه.