حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٢٨٤ - ذكر بقية لطائف مصر
ونصف ، ومنها يجلب السكّر إلى كثير من البلاد ، وقد نسي بها ما كان يذكر من سكّر الأهواز.
وبها الكتّان المعدوم المثل المنقول منه ، وممّا يعمل من قماشه إلى أقطار الأرض.
ومبانيها بالحجر ، وأكثرها بالطّوب وأفلاق النخل والجريد. وخشب الصّنوبر مجلوب إليهم من بلاد الروم في البحر ، ويسمّى عندهم النّقي.
وبها المدارس والخوانق والرّبط [١] والزوايا والعمائر الجليلة الفائقة المعدومة المثل المفروشة بالرخام ، المسقوفة بالأخشاب ، المدهونة الملمّعة بالذّهب واللّازورد.
قال : وحاضرة مصر تشتمل على ثلاث مدن عظام : الفسطاط ، وهو بناء عمرو بن العاص ؛ وهي المسمّاة عند العامة بمصر العتيقة ، والقاهرة بناها جوهر القائد لمولاه الخليفة المعزّ ، وقلعة الجبل بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفّر يوسف بن أيّوب ، وأوّل من سكنها أخوه العادل ، وقد اتّصل بعض هذه الثلاثة ببعض بسور بناه قراقوش [٢] بها إلّا أنه قد تقطّع الآن في بعض الأماكن ، وهذا السّور ، هو الّذي ذكره القاضي الفاضل في كتاب كتبه إلى السلطان صلاح الدين ، فقال : والله يحيي الموتى حتّى يستدير بالبلدين نطاقه ، ويمتدّ عليهما رواقه ، فهما عقيلة ما كان معصمهما بغير سوار ، ولا حضرهما ليجلى بلا منطقة نضار.
قال : وبها المارستان المنصوريّ المعدوم النظير ، لعظم بنائه وكثرة أوقافه. وبها البساتين الحسان والمناظر النّزهة والآدار المظلة على البحر ، وعلى الخلجاناة الممتدّة فيه أوقات مدّها.
وبها القرافة تربة عظمى لمدفن أهلها ، وبها العمائر الضخمة ، وهي من أحسن البلاد إبّان ربيها للغدر الممتدّة من مقطعات النيل بها ، وما يحفّها من زرع أخرجت شطأها وفتّقت أزهارها ، وبها من محاسن الأشياء ولطائف الصنائع ما تكفي شهرته ومن الأسلحة والقماش والزّركش والمصوغ والكفت [٣] وغير ذلك ما لا يكاد يعدّ تفرّدها به ، والرماح التي لا يعمل في الدنيا أحسن منها. انتهى كلام ابن فضل الله.
[١] الرباط والمرابطة : ملازمة ثغر العدو ، انظر الخطط المقريزية : ٢ / ٤٢٧.
[٢] في شذرات الذهب : ٤ / ٣٣١ : هو بهاء الدين الأبيض فتى الملك أسد الدين شيركوه ، بنى قلعة القاهرة والسور على مصر والقاهرة والقنطرة التي عند الأهرام ، توفي سنة ٥٩٧ ه.
[٣] الكفت : القدر الصغيرة ، أو عملية تطعيم النحاس بالفضة والذهب.