حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٢٤٨ - من غلاء ووباء وزلازل وآيات وغير ذلك
بالكلاليب ، وقطعوا من عجزها قطعة ، وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها ، فخرجت من الدار واستغاثت ، فجاء الوالي وكبس الدّار ، فأخرج منها ألوفا من القتلى.
وفي سنة ستّ وثمانين وسنتين بعدها انفرد المصريون [١] بالحجّ.
وفي سنة إحدى وتسعين حدثت بمصر ظلمة عظيمة ، غشيت أبصار النّاس ، حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجه!
وفي سنة سبع وتسعين عزّ القمح بمصر ، ثم هان. وفيها تولّى الآخر بمصر فضرب الفضة السّوداء المشهورة بالآمريّة.
وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة هبّت ريح [٢] سوداء بمصر ، فاستمرّت ثلاث أيام ، فأهلكت خلقا كثيرا من النّاس والدوابّ والأنعام. قاله ابن كثير.
وفي سنة سبع عشرة بلغ النّيل ستة عشر [٣] ذراعا سواء بعد توقّف.
وفي سنة ثمان عشرة أوفى [٤] النّيل بعد النّيروز بتسعة أيام ، وزاد عن الستة عشر ذراعا أحد عشر إصبعا لا غير ، وعزّ السّعر ثمّ هان. وفي حدود هذه السنين احترق جامع عمر.
وفي سنة خمس وستين [وخمسمائة] حاصرت الفرنج دمياط خمسين [٥] يوما ، بحيث ضيّقوا على أهلها ، وقتلوا منهم ، فأرسل نور الدين محمود الشهيد إليهم جيشا عليهم صلاح الدين يوسف بن أيّوب ، فأجلوهم عنها ، وكان الملك نور الدين شديد الاهتمام بذلك ؛ حتّى إنه قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءا فيه حديث مسلسل بالتبسّم ، فطلب منه أن يتبسّم ليتّصل التسلسل ، فامتنع من ذلك ، وقال : إنّي لأستحيي من الله أن يراني متبسما ، والمسلمون تحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. وذكر أبو شامة أنّ بعضهم رأى في تلك الليلة التي أجلي فيها الفرنج عن دمياط رسول الله ٦ ، وهو يقول له : سلّم على نور الدين ، وبشّره بأنّ الفرنج قد رحلوا عن دمياط ، فقال له الرائي : يا رسول الله ، بأيّ علامة؟ فقال : بعلامة لمّا سجد يوم كذا ، وقال في سجوده : اللهم انصر دينك ومن هو محمود الكلب! فأصبح الرائي ، وبشّر نور الدين بذلك ، وأعلمه بالعلامة ، ففرح ، ثمّ جاء الخبر بإجلائهم تلك الليلة. فرحم الله هذا الملك وأمثاله!
[١] النجوم الزاهرة : ٥ / ١٣٥.
[٢] الكامل لابن الأثير : ٨ / ٣٠٥.
[٣] في النجوم الزاهرة : ٥ / ٢٢١ : مبلغ الزيادة ثمانية عشرة ذراعا.
[٤] النجوم الزاهرة : ٥ / ٢٢٣.
[٥] في النجوم الزاهرة : ٥ / ٣٦٢ : ثلاثة وخمسين يوما.