حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ١١٨ - فاستبدوا بالأمر دونهم
المستفتي. ثمّ عزله عن القضاء ، وعزل القاضيين : شمس الدين السّروجيّ [١] الحنفيّ والحنبليّ ، وأبقى المالكيّ ، لكونه كان وصيّا عليه من جهة أبيه قلاوون.
وقال الشيخ صدر الدين بن المرحّل [٢] : كيف تقول في قصيدتك :
| ما للصّبيّ وما للملك يكفله | شأن الصبيّ بغير الملك مألوف؟! |
فحلف ابن المرحّل ما قال هذا ، وإنّما الأعداء زادوا هذا البيت في القصيدة ، والعفو من شيم الملوك ؛ فعفا عنه.
وجاء الشيخ شمس الدين بن عدلان [٣] يستأذن ، فقال الناصر للدوادار : قل له : أنت أفتيت أنّه خارجيّ ، وقتاله جائز ، مالك عندي دخول! ولكن عرّفه أنّه وابن المرحّل يكفيهما ما قال الشارمساحيّ في حقّهما ، وكان الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الشارمساحيّ الماجن قال :
| ولّى المظفّر لمّا فاته الظّفر | وناصر الحقّ وافى وهو منتصر | |
| وقد طوى الله من بين الورى فتنا | كادت على عصبة الإسلام تنتشر | |
| فقل لبيبرس إنّ الدهر ألبسه | أثواب عارية في طولها قصر | |
| لمّا تولّى تولّى الخير عن أمم | لم يحمدوا أمره فيها ولا شكروا | |
| وكيف تمشي به الأحوال في زمن | لا النيل أوفى ، ولا وافاهم مطر | |
| ومن يقوم ابن عدلان بنصرته | وابن المرحّل قل لي : كيف ينتصر؟! |
وكان النيل لم يوفّ سنة تولّى المظفر ، وارتفع السعر.
قلت : الكلّ مظلومون مع النّاصر ، فإنهم أفتوا بالحقّ ، ولكن جبروت وظلم وعسف ، وشوكة وصبا وجهل ، فمن يخاطب الإنسان!
واستمرّ الناصر في السلطنة بلا منازع ، فحجّ خفيفا في سنة اثنتي عشرة من طريق الكرك ، وعاد إلى دمشق ، ثمّ حجّ من القاهرة سنة تسع عشرة ومعه قاضي القضاة البدر
[١] هو قاضي القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الشافعي ، توفي في ربيع الآخر سنة ٧١٠ ه وله ثلاث وسبعون سنة. [شذرات الذهب : ٦ / ٢٣].
[٢] هو صدر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية بن أحمد الشافعي العثماني المعروف بابن المرحل وبابن الوكيل. ولد سنة ٦٦٥ ه بدمياط ، وله نظم رائق. توفي بالقاهرة سنة ٧١٦ ه. [شذرات الذهب : ٦ / ٤٠].
[٣] وهو شيخ الشافعية ، واسمه محمد بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن عدلان. ولد سنة ٦٦٣ ه ، وتوفي سنة ٧٤٩ ه. [شذرات الذهب : ٦ / ١٦٤].