فقه المقاومة، دراسة فقهية مقارنة - الآصفي، محمد مهدي - الصفحة ١٥٦ - المناقشة
كما يحصل في الإنكار على الحكّام الظالمين، ومكافحتهم، ونهيهم عن الظلم، وإزالتهم عن موقع السلطان والنفوذ في المجتمع، فإنَّ هذا الإنكار يؤدّي إلى مقارعة الحكّام الظالمين، وبالتالي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض وإضرار الناس بأضرار بليغة، وهو أمر قد حرّمه الله تعالى.
فيجتمع في هذا الموضع إذن حكمان أحدهما: وجوب الإنكار على المنكر وتغييره وإزالته ومكافحته، وثانيهما: وجوب الاجتناب عن الفتن الاجتماعية والسياسية التي تؤدّي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض. ولأن المكلّف لا يقدر على إمتثال الحكمين معاً كان لابدَّ بحكم العقل، من تقديم الأهم على المهم.
وبلغة فنيّة: لابدّ من تقييد إطلاق أحد الحكمين فإذا كان أحدهما أهم من الآخر، فيكون المقيّد هو الآخر لا محالة. فالمدار، إذن في هذه المسألة هو تشخيص الأهم من المهم.
وهذا أمر (متغيّر)، يختلف من حال إلى حال، ومن حاكم إلى حاكم، ومن منكر إلى منكر، ومن مجتمع إلى مجتمع، فلا يمكن إعطاء أحكام ثابتة في مثل هذه المسائل. فقد يكون المجتمع
صالحاً قويّاً ملتزماً بحدود الله وأحكامه وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحاكم الذي يقترف الظلم حاكم ضعيف يمكن إزالته من دون مشاكل وأضرار كبيرة. ففي هذه الحالة يقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمر بالحفاظ على الأنفس