كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٠٠ - الفرع الخامس
الثاني: قياس ما نحن فيه من المقدّمة العلمية بالمقدّمة الوجوديّة. وقد دلّ الدليل في موارد المقدّمة الوجوديّة عندما يتعذّر إيجاد تمام المقدّمة تحصيلًا لذي المقدّمة بتمامها على الاكتفاء بايجاد بعض المقدّمة تحصيلًا لبعض ذي المقدّمة، فإنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه والميسور لا يسقط بالمعسور. فيقال هنا في المقدّمة العلمية قياساً على ما هنالك: إنّ تحصيل العلم بفراغ الذمة وإيصال تمام المال إلى مالكه الحقيقي يتوقف على دفع ما يساوي قدر المال كلّه إلى كل واحد من أطراف الشبهة المحصورة وهو ضرر على المدين منفي بالشرع والعقل، فلا سبيل إلى إيجابه على من بيده المال، فلابدّ من الاكتفاء في تحقيق المقدّمة العلمية بما يتيسر منها قياساً على المقدّمة الوجوديّة، فيوزّع المال بالسويّة بين أطراف الشبهة تحقيقاً للعلم بايصال بعض المال إلى مالكه، ما دام العلم بإيصال المال كلّه إليه بغير طريق الضرر المنفي متعذراً.
لكن يرد على الأوّل:
أوّلًا: عدم الدليل على اعتبار قاعدة العدل والانصاف إلّا من السيرة العقلائية التي لا إطلاق فيها فلا يثبت بها إلّا القدر المتيقن، ومع إمكان إيصال المال كلّه إلى المالك بالعمل بما يقتضيه الاحتياط لا دليل على جواز الاكتفاء بغيره، ولا دليل على وجود سيرة عقلائية على خلاف ذلك في مثله.
وثانياً: إنّما تجري قاعدة العدل والإنصاف في موارد عدم ثبوت الضمان كمورد الودعيّ، وأمّا المورد الذي استقرّ فيه ضمان المال على عهدة المكلّف فلا معنى لجريان قاعدة العدل والإنصاف؛ لأنّها هنا تؤدّي إلى خلاف العدل والإنصاف لأدائها إلى حرمان صاحب المال من حقّه، من غير سبب، مع استقرار ضمان ماله في ذمّة المدين.
وثالثاً: على تقدير جريان قاعدة العدل والانصاف هنا فحجيتها متوقفة على الامضاء الشرعي وعدم الرّدع مع أن دليل الضمان حتى الأداء- على اليد ما أُخذت حتى تؤدّي- كاف في الردع عنها.