كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٤٧ - المسألة السادسة
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ..[١]. قالت أم سلمة: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ألم تقل إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله؟ قال: نعم؛ فقبل إسلامه"[٢].
وقد استشكل بعض الأعلام على الاستناد إلى هذه الرواية بمخالفتها لمقتضى الشرع والعقل؛ لتضمّنها رفض النبيّ لإسلام" عبدالله بن أبي اميّة" من جهة، ولعدم تذكّر الرسول (ص) لقاعدة الجبّ حتى ذكّرته بها أم سلمة! وكلا الأمرين لا يطابقان العقل والشرع.
ولكنّ الظاهر: عدم مخالفة مضمون الرواية للعقل ولا للشرع، فإنّ إعراض النبيّ (ص) بوجهه عن الرّجل لا يدلّ على عدم قبوله إسلامه مطلقاً، بل يحُتمل أن يكون ذلك من أجل التأكّد من إسلامه، فإنّ الذي يبلغ من تكذيبه للنبيّ ذلك المبلغ الذي تحكيه آيات سورة الاسراء، ينبغي عقلائياً أن لا يُتساهل معه وهو يعلن الإسلام حتّى يبدي إصراراً من نفسه على الإيمان بما جاء به الرسول، ليكون ذلك دليلًا واضحاً على رجوعه عن تكذيبه ذاك.
وأمّا قبول إسلامه عندما شفعت له امّ سلمة متذرّعة بما حكته عن الرسول (ص) من قوله:" الإسلام يجبّ ما قبله"، فإنّ الظاهر: أنّ ذلك لم يكن تذكيراً للنبيّ، وليس في الرواية ما يدلّ على أنّ النبيّ كان ناسياً لهذه القاعدة، وأنّه تذكّرها بعدما نطقت بها أمّ سلمة، بل إنّ نفس قبول إسلام هذا الرجل بشفاعة أمّ سلمة هو نوع من التوثيق والتأكيد على توبة الرجل ورجوعه عن موقفه التكذيبيّ الأوّل.
واستشهاد أمّ سلمة بحديث النبيّ لم يكن تذكيراً، بل استعطافاً له، واستشفاعاً لديه بسنته وسيرته. كما أنّ العبد حين يخاطب ربّه مستغفراً لديه تائباً إليه، يتضرّع إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ذاكراً عفوه عن المذنبين ووعده إيّاهم بقبول توبتهم والغفران لذنبهم، كما في بعض أدعية الإمام السجّاد (ع):" اللّهم إنّك قلت في كتابك
[١] . سورة الإسراء: ٩٠- ٩٢.
[٢] . تفسير القمّيّ ٢٦: ٢( باختصار).