تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١
المزدوجة والمتعددة منذ بداية حياته، وكان يؤكّد أينما كان على التوحيد، وبناء على هذا، فإِنّ ما يلاحظ اليوم بين المسيحيين بعنوان التثليث بدعة محضة ابتدعت بعد عيسى قطعاً، وقد بينا تفصيل ذلك في آخر الآية (١٧١) من سورة النساء[١] .
وبالرغم من أن بعض المفسّرين احتمل أن تكون هذه الجملة من كلام نبي الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي إِنّ الله سبحانه أمره أن يدعو الناس إِلى التوحيد في العبادة، وقد وصف ذلك بأنّه الصراط المستقيم، إِلاَّ أن آيات القرآن الأُخرى شاهدة على أن هذه الجملة من قول المسيح(عليه السلام) وتابعة للكلام السابق، فنقرأ في سورة الزخرف / الآية ٦٣ ـ ٦٤ : (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إنّ الله هو ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) وهنا نرى نفس الجملة تقريباً نقلت عن لسان عيسى، وكذلك ورد هذا المضمون في سورة آل عمران / الآية ٥٠ ـ ٥١.
غير أنّه بالرغم من كل هذه التأكيدات التي أكّد عليها المسيح(عليه السلام) في مجال التوحيد وعبادة الله، فقد اختلفت الفئات، وأظهروا اعتقادات مختلفة، وخاصّة في شأن المسيح (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم).
إِنّ تاريخ المسيحية يشهد بوضوح على مدى الإِختلاف الذي حصل بعد المسيح(عليه السلام) في شأنه، وحول مسألة التوحيد، هذه الإِختلافات التي ازدادت حدتها، فشكل «قسطنطين» إِمبراطور الروم مجمعاً للأساقفة ـ علماء النصارى الكبار ـ وكان واحداً من المجامع التأريخية المعروفة، ووصل عدد أعضاء هذا المجمع إِلى ألفين ومائة وسبعين عضواً، وعندما طرحت مسألة المسيح للبحث أظهر العلماء الحاضرون وجهات نظر مختلفة تماماً، وكان لكل مجموعة
[١] ـ يراجع التّفسير الآمثل ذيل الآية (١٧١) من سورة النساء.