تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣
تعالى في الآية (١١٣) مِن سورة آل عمران: (ليسوا سواء مِن أهل الكتاب أُمّة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون).
ثالثاً: «يخرّون» بمعنى يسقطون على الأرض بدون إِرادتهم، واستخدام هذه الكلمة بدلا مِن السجود ينطوي على إِشارة لطيفة، هي أنَّ الواعين وذوي القلوب اليقظة عندما يسمعون آيات القرآن وكلام الخالق عزَّوجلّ ينجذبون إليه ويولهون به الى درجة أنّهم يسقطون على الأرض ويسجدون خشيةً بدون وعي واختيار[١] .
رابعاً: (أذقان) جمع (ذقن) ومن المعلوم أن ذقن الإِنسان عند السجود لا يلمس الأرض، إِلاَّ أن تعبير الآية إِشارة إِلى أنَّ هؤلاء يضعون كامل وجههم على الأرض قبال خالقهم حتى أنَّ ذقنهم قد يلمس الأرض عندَ السجود.
بعض المفسّرين احتمل أنَّ الإِنسان عندَ سجوده يضع أوّلا جبهتهُ على الأرض، ولكن الشخص المدهوش عندما يسقط على الأرض يضع ذقنه أولا، فيكون استخدام هذا التعبير في الآية تأكيداً لمعنى (يخرون)[٢] .
الاية التي بعدها توضح قولهم عندما يسجدون: (ويقولون سبحان ربّنا إِن كانَ وعدُ ربّنا لمفعولا)[٣] . هؤلاء يعبرون بهذا الكلام عن عمق إِيمانهم واعتقادهم بالله وبصفاته وبوعده. فهذا الكلام يشمل الإِيمان بالتوحيد والصفات الحقة والإِيمان بنبوة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالمعاد. والكلام على هذا الأساس يجمع أُصول الدين في جملة واحدة.
وللتأكيد ـ أكثر ـ على تأثُّر هؤلاء بآيات ربّهم، وعلى سجدة الحب التي
[١] ـ يقول الراغب في (المفردات): «يخرون» مِن مادة «خرير» ويقال لصوت الماء والريح وغير ذلك ممّا يسقط مِن عُلّو. وقوله تعالى: (خروا لهُ سُجداً) تنبيه على اجتماع أمرين: السقوط وحصول الصوت منهم بالتسبيح، والتنبيه أنَّ ذلك الخرير كان صوت تسبيحهم بحمد الله لا بشيء آخر. ودليله قوله تعالى فيما بعد: (وسبحوا بحمد ربّهم).
[٢] ـ تفسير المعاني، ج ١٥، ص ١٧٥.
[٣] ـ (إِن) في قوله: (إِن كان وعد ربّنا) غير شرطية، بل هي تأكيدية، وهي مُخففة من الثقيلة.