صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٠٤ - رسالة
في حين إن معيار المعرفة في الرؤية الكونية الإلهية يشمل (الحس والعقل). وان ما يدركه العقل يدخل في دائرة العلم وإن لم يكن محسوساً. لهذا فالوجود يشمل عالمي الغيب والشهادة، والذي يفتقد للمادة من الممكن أن يكون له وجود. ومثلما يستند الوجود المادي إلى (المجرد)، فالمعرفة الحسية تستند إلى المعرفة العقلية أيضاً.
إن القرآن المجيد ينتقد أساس التفكير المادي ويرد على الذين يتوهمون عدم وجود الله لأنه لا يُرى: (.. لن نُؤمن لكَ حتى نَرى الله جَهرةً) [١]، قائلًا: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) [٢].
وإذا تجاوزنا القرآن العزيز والكريم واستدلالاته بشأن الوحي والنبوة والمعاد، إذ تعد من وجهة نظركم أول البحث، فاني لا أرغب أصلًا بزجكم في تعقيدات مباحث الفلاسفة، لا سيما الفلاسفة الإسلاميين، ولكن سأكتفي بذكر مثالين بسيطين من الممكن إدراكهما فطرياً ووجدانياً وبوسع الساسة الاستفادة منهما أيضاً.
من البديهي أن المادة والجسم مهما كانا فهما يجهلان ذاتهما. فالتمثال الحجري أو الجسم المادي للإنسان، يجهل كل طرف منه الطرف الآخر. في حين نشهد عياناً ان الإنسان، وكذا الحيوان، يعي كل ما من حوله. يعلم أين هو، وماذا يجري من حوله، والصخب الدائر في العالم. إذن فهناك شيء آخر في الإنسان والحيوان فوق المادة وبمعزل عن عالمها، وهو باق لا يموت بموت المادة.
إن الإنسان في فطرته ينشد الكمال بنحو مطلق. وكما تعلمون أن الإنسان يتطلع لأن يكون القوة المطلقة في العالم، ولن يعبأ بقوة ناقصة. ولو أنه أمتلك العالم وقيل له ثمة عالم آخر، لرغب فطرياً في ضم ذلك العالم لسلطته أيضاً. ومهما بلغ الإنسان من العلم وقيل له أن هناك علوم أخرى، فأنه يرغب فطرياً في تعلّم العلوم أيضاً. إذن، لا بد أن تكون هناك قوة مطلقة وعلم مطلق كي يتعلق بهما الإنسان وهذا هو الله تبارك وتعالى الذي نتوجه إليه جميعاً وإن كنا نجهل ذلك .. الإنسان يريد أن يصل إلى (الحق المطلق) كي يفنى في الله. أصلًا أن هذا الشوق إلى الحياة الأبدية المتأصل في وجود كل إنسان، دليل على وجود عالم الخلود المنزّه من الموت.
فإذا ما رغب فخامتكم بالبحث في هذه الموضوعات، بإمكانكم أن تطلبوا من المتخصصين في هذه العلوم بالرجوع فضلًا عن مؤلفات الفلاسفة الغربيين في هذا المجال إلى ما كتبه الفارابي [٣] وأبو علي بن سينا [٤]- رحمة الله عليهما في حكمة المشاء، ليتضح أن قانون العلة
[١] سورة البقرة، الآية ٥٥.
[٢] سورة الأنعام، الآية ١٠٣.
[٣] أبو نصر محمد بن محمد الفارابي (المتوفى سنة ٣٣٩ ه-. ق) من كبار الفلاسفة الإيرانيين المولود في مدينة فاراب ما وراء النهر.
[٤] الشيخ الرئيس ابو علي حسين بن علي بن سينا (المتوفى سنة ٤٢٨ ه-. ق) طبيب وفيلسوف ومؤلف إيراني يعد من كبار الحكماء والعلماء على صعيد العالم، بلغت مؤلفاته نحو ٢٤٠ كتاباً ورسالة ترجم معظمها إلى اللغات الأخرى، ومن أشهر مؤلفاته كتاب الشفاء، والقانون، والإشارات.