العمل وحقوق العامل في الاسلام - باقر شريف القرشي - الصفحة ١١ - مقدمة الطبعة الاولى
إن الدعوة الى الترهب ونكران المتع والرغائب دعوة قاسية لا تحتملها الحياة، ولا تستقيم عليها طبائع الناس.
وعلى عكس المسيحية كانت الديانة اليهودية فقد انطلقت تدعو الى المادة والتحريض على تكديس الثراء بأى طريق كان، وتطورت هذه الدعوى الى الاسراف عند معتنقيها الى حد بعيد فقد غالى بعضهم فجعلها أساس التكوين ومصدر القوى النامية في حياة الانسان والسبب الوحيد في سعادته وشقائه، واخضع لها جميع ظواهر الحياة حتى فسر التاريخ تفسيراً مادياً بحتاً، وعلى هذا الرأي بنيت الفلسفة المادية التي تنظر الى الانسان أنه كائن أرضي بحت لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن عالم الأرض إلا في حالات الشذوذ وقد تنكرت هذه الفلسفة لجميع القيم الانسانية فلم تؤمن بالكرامة ولا بالأفكار العليا، ولا بغيرها من صفات السمو والكمال، وعند أصحابها أن البحث عن الروح إنما هو ضرب من ضروب الجهل ونوع من أنواع الخرافة ولون من الوان الرجعية إذ لا أثر عندهم للطاقات الروحية، ولا أهمية للمثل الدينية، ولا قيمة للعادات الانسانية المهذبة التي أصبح الانسان فيها له سيادة على الغريزة وتميز واضح على الحيوان، وان مطالب المعدة والجسد في مذهبهم هي أصل الفنون