إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٢ - و عن أحمد بن إبراهيم المقري
أن تعطيني ذلك المدري،فاغتاظ الملاح عليه و قال لغلامه أعطه حتى أنظر ما يصنع،فلما صارت المدري في يده صعد إلى الزورق و لم يزل يكسرها دنّا دنّا حتى أتى على آخرها إلا دنّا واحدا،و الملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر،و هو يومئذ ابن بشر أفلح فقبض على النوري و أشخصه إلى حضرة المعتضد،و كان المعتضد سيفه قبل كلامه،و لم يشك الناس في أنه سيقتله،قال أبو الحسين فأدخلت عليه،و هو جالس على كرسي حديد و بيده عمود يقلبه،فلما رآني قال من أنت؟قلت محتسب،قال و من ولاك الحسبة،قلت الذي ولاك الإمامة ولانى الحسبة يا أمير المؤمنين،قال فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلىّ و قال:ما الذي حملك على ما صنعت؟فقلت شفقة منى عليك،إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه، قال فأطرق مفكرا في كلامى ثم رفع رأسه إلىّ و قال:كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟فقلت في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن،فقال هات خبرني،فقلت:يا أمير المؤمنين إنى أقدمت على الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي بذلك،و غمر قلبي شاهد الإجلال للحق و خوف المطالبة،فغابت هيبة الخلق عنى،فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن،فاستشعرت نفسي كبرا على أنى أقدمت على مثلك فمنعت،و لو أقدمت عليه بالحال الأول و كانت ملء الدنيا دنان لكسرتها و لم أبال،فقال المعتضد:اذهب فقد أطلقنا يدك غيّر ما أحببت أن تغيره من المنكر،قال أبو الحسين فقلت:يا أمير المؤمنين بغض إلىّ التغيير لأني كنت أغيّر عن اللّه تعالى و أنا الآن أغيّر عن شرطي،فقال المعتضد ما حاجتك؟فقلت يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي سالما،فأمر له بذلك و خرج إلى البصرة،فكان أكثر أيامه بها خوفا من أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد، فأقام بالبصرة إلى أن توفى المعتضد،ثم رجع إلى بغداد فهذه كانت سيرة العلماء و عادتهم في الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر،و قلة مبالاتهم بسطوة السلاطين، لكنهم اتكلوا على فضل اللّه تعالى أن يحرسهم،و رضوا بحكم اللّه تعالى أن يرزقهم الشهادة،فلما أخلصوا للّٰه النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها،و أزال قساوتها، و أما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا،و إن تكلموا لم تساعد