إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - و عن أبي العباس الهاشمي
فخرج الناس و خرج بهلول المجنون فيمن خرج بالكناسة،و الصبيان يؤذونه و يولعون به إذ أقبلت هوادج هارون،فكف الصبيان عن الولوع به،فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين فكشف هارون السجاف بيده عن وجهه،فقال لبيك يا بهلول،فقال:يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل،عن قدامة بن عبد اللّه العامري،قال رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم[١] منصرفا من عرفة على ناقة له صهباء،لا ضرب و لا طرد،و لا إليك إليك، و تواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك و تجبرك،قال فبكى هارون حتى سقطت دموعه على الأرض،ثم قال يا بهلول زدنا رحمك اللّه،قال:نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه اللّه مالا و جمالا فأنفق من ماله و عف في جماله،كتب في خالص ديوان اللّه تعالى مع الأبرار،قال أحسنت يا بهلول و دفع له جائزة،فقال اردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها،قال يا بهلول فإن كان عليك دين قضيناه،قال يا أمير المؤمنين:هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون قد اجتمعت آراؤهم أن قضاء الدين بالدين لا يجوز،قال يا بهلول فنجرى عليك ما يقوتك أو يقيمك،قال فرفع بهلول رأسه إلى السماء،ثم قال يا أمير المؤمنين أنا و أنت من عيال اللّه فمحال أن يذكرك و ينساني،قال فأسبل هارون السجاف و مضى
و عن أبي العباس الهاشمي
عن صالح بن المأمون،قال دخلت على الحارث المحاسبي رحمه اللّه فقلت له يا أبا عبد اللّه،هل حاسبت نفسك؟فقال كان هذا مرة قلت له فاليوم قال أكاتم حالى،إنى لأقرأ آية من كتاب اللّه تعالى فأضن بها أن تسمعها نفسي،و لو لا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها،و لقد كنت ليلة قاعدا في محرابي،فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علىّ ثم قعد بين يدي،فقلت له من أنت؟فقال أنا واحد من السياحين أقصد المتعبدين في محاريبهم،و لا أرى لك اجتهادا فأي شيء عملك،قال قلت له:كتمان المصائب و استجلاب الفوائد،قال فصاح و قال:ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق و المغرب هذه صفته، قال الحارث فأردت أن أزيد عليه فقلت له:أما علمت أن أهل القلوب يخفون أحوالهم،و يكتمون