إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٧ - و عن أبي عمران الجونى
من إخواني و إخوانك أحد إلا و قد زارني و هنانى بما صرت إليه،و قد فتحت بيوت الأموال و أعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي،و قرت به عينى،و إنى استبطأتك فلم تأتني،و قد كتبت إليك كتابا شوقا منى إليك شديدا،و قد علمت يا أبا عبد اللّه ما جاء في فضل المؤمن و زيارته و مواصلته،فإذا ورد عليك كتابي فالعجل العجل.
فلما كتب الكتاب التفت إلى من عنده، فإذا كلهم يعرفون سفيان الثوري و خشونته فقال علي برجل من الباب،فأدخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني،فقال يا عباد خذ كتابي هذا فانطلق به إلى الكوفة،فإذا دخلتها فسل عن قبيلة بني ثور،ثم سل عن سفيان الثوري،فإذا رأيته فألق كتابي هذا إليه،و ع بسمعك و قلبك جميع ما يقول،فاحص عليه دقيق أمره و جليله لتخبرني به،فأخذ عباد الكتاب و انطلق به حتى ورد الكوفة،فسأل عن القبيلة فأرشد إليها،ثم سأل عن سفيان،فقيل له هو في المسجد،قال عباد فأقبلت إلى المسجد،فلما رآني قام قائما،و قال:أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم،و أعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير،قال عباد:فوقعت الكلمة في قلبي فخرجت،فلما رآني نزلت بباب المسجد قام يصلى،و لم يكن وقت صلاة،فربطت فرسى بباب المسجد و دخلت،فإذا جلساؤه قعود قد نكسوا رءوسهم،كأنهم لصوص،قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته،فسلمت،فما رفع أحد إلىّ رأسه،و ردوا السلام علىّ برءوس الأصابع، فبقيت واقفا فما منهم أحد يعرض علىّ الجلوس و قد علانى من هيبتهم الرعدة،و مددت عينى إليهم فقلت:إن المصلى هو سفيان،فرميت بالكتاب إليه،فلما رأى الكتاب ارتعد و تباعد منه،كأنه حية عرضت له في محرابه،فرجع و سجد و سلم و أدخل يده في كمه و لفها بعباءته و أخذه فقلبه بيده، ثم رماه إلى من كان خلفه،و قال يأخذه بعضكم يقرؤه،فإنى أستغفر اللّه أن أمس شيئا مسه ظالم بيده،قال عباد فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ثم فضه و قرأه،و أقبل سفيان يتبسم تبسم المتعجب،فلما فرغ من قراءته قال اقلبوه و اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه،فقيل له يا أبا عبد اللّه إنه خليفة،فلو كتبت إليه في قرطاس نقى،فقال اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه،فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به