إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٦ - و عن أبي عمران الجونى
صديقا،و لا يموت إلا شهيدا،تقول:اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء،و علوت بعظمتك على العظماء،و علمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك،و كانت وساوس الصدور كالعلانية عندك،و علانية القول كالسر في علمك،و انقاد كل شيء لعظمتك،و خضع كل ذي سلطان لسلطانك،و صار أمر الدنيا و الآخرة كله بيدك،اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجا و مخرجا،اللهم إن عفوك عن ذنوبي،و تجاوزك عن خطيئتي،و سترك على قبيح عملي،أطمعنى أن أسألك ما لا أستوجبه مما قصرت فيه،أدعوك آمنا،و أسألك مستأنسا،و إنك المحسن إلىّ و أنا المسيء إلى نفسي،فيما بيني و بينك،تتودد إلىّ بنعمك،و أتبغض إليك بالمعاصي،و لكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك،فعد بفضلك و إحسانك علىّ،إنك أنت التواب الرحيم، قال فأخذته فصيرته في جبي،ثم لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين فدخلت فسلمت عليه،فرفع رأسه فنظر إلىّ و تبسم،ثم قال ويلك و تحسن السحر،فقلت لا و اللّه يا أمير المؤمنين،ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ فقال هات الرق الذي أعطاك،ثم جعل يبكى،و قال قد نجوت و أمر بنسخه،و أعطاني عشرة آلاف درهم،ثم قال أ تعرفه؟قلت:لا،قال ذلك الخضر عليه السلام
و عن أبي عمران الجونى
، قال لما ولى هارون الرشيد الخلافة،زاره العلماء فهنوه بما صار إليه من أمر الخلافة،ففتح بيوت الأموال،و أقبل يجيزهم بالجوائز السنية، و كان قبل ذلك يجالس العلماء و الزهاد،و كان يظهر النسك و التقشف،و كان مؤاخيا لسفيان ابن سعيد بن المنذر الثوري قديما،فهجره سفيان و لم يزره،فاشتاق هارون إلى زيارته ليخلو به و يحدثه، فلم يزره و لم يعبأ بموضعه،و لا بما صار إليه،فاشتد ذلك على هارون،فكتب إليه كتابا يقول فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم،من عبد اللّه هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه سفيان بن سعيد بن المنذر،أما بعد:يا أخي قد علمت أن اللّه تبارك و تعالى و أخي بين المؤمنين،و جعل ذلك فيه و له،و اعلم أنى قد واخيتك مواخاة لم أصرم بها حبلك،و لم أقطع منها ودك،و إنى منطو لك على أفضل المحبة و الإرادة،و لو لا هذه القلادة التي قلدنيها اللّه لأتيتك و لو حبوا،لما أجد لك في قلبي من المحبة،و اعلم يا أبا عبد اللّه أنه ما بقي