إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٣ - و عن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو
ليلة حين أسحر،فبينا هو يطوف إذ سمع رجلا عند الملتزم و هو يقول:اللهم إنى أشكو إليك ظهور البغي و الفساد في الأرض،و ما يحول بين الحق و أهله من الظلم و الطمع،فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله،ثم خرج فجلس ناحية من المسجد و أرسل إليه فدعاه،فأتاه الرسول و قال له أجب أمير المؤمنين،فصلى ركعتين.و استلم الركن،و أقبل مع الرسول فسلم عليه،فقال له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي و الفساد في الأرض،و ما يحول بين الحق و أهله من الطمع و الظلم،فو اللّه لقد حشوت مسامعي ما أمرضنى و أقلقني، فقال يا أمير المؤمنين،إن أمنتنى على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها و إلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل،فقال له أنت آمن على نفسك،فقال الذي دخله الطمع حتى حال بينه و بين الحق و إصلاح ما ظهر من البغي و الفساد في الأرض أنت فقال ويحك و كيف يدخلني الطمع،و الصفراء و البيضاء في يدي،و الحلو و الحامض في قبضتى،قال و هل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين،إن اللّه تعالى استرعاك أمور المسلمين و أموالهم،فأغفلت أمورهم،و اهتممت بجمع أموالهم،و جعلت بينك و بينهم حجابا من الجص و الآجر و أبوابا من الحديد،و حجبة معهم السلاح،ثم سجنت نفسك فيها منهم،و بعثت عمالك في جمع الأموال و جبايتها،و اتخذت وزراء و أعوانا ظلمة،إن نسيت لم يذكروك،و إن ذكرت لم يعينوك،و قويتهم على ظلم الناس بالأموال و الكراع و السلاح و أمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان و فلان نفر سميتهم،و لم تأمر بإيصال المظلوم و لا الملهوف و لا الجائع و لا العاري،و لا الضعيف و لا الفقير،و لا أحد إلا و له في هذا المال حق،فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك،و آثرتهم على رعيتك و أمرت أن لا يحجبوا عنك،تجبي الأموال و لا تقسمها،قالوا هذا قد خان اللّه،فما لنا لا نخونه و قد سخر لنا فائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا،و أن لا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصوه حتى تسقط منزلته،و يصغر قدره،فلما انتشر ذلك عنك و عنهم أعظمهم الناس و هابوهم،و كان أوّل من صانعهم عمالك بالهدايا و الأموال ليتقووا بهم على ظلم رعيتك،ثم فعل ذلك ذوو القدرة و الثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم