إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩ - الدرجة الخامسة
و ليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع،و هو إعدام المنكر،فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة،أو زجر عن لاحق،و ذلك إلى الولاة لا إلى الرعية،نعم:الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه و أقول:له أن يأمر بكسر الظروف التي فيها الخمور زجرا،[١]و قد فعل ذلك في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تأكيدا للزجر، و لم يثبت نسخه،و لكن كانت الحاجة إلى الزجر و الفطام شديدة،فإذا رأى الوالي باجتهاده مثل تلك الحاجة جاز له مثل ذلك،و إذا كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق،لم يكن ذلك لآحاد الرعية فإن قلت:فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي،بإتلاف أموالهم،و تخريب دورهم التي فيها يشربون و يعصون،و إحراق أموالهم التي بها يتوصلون إلى المعاصي فاعلم،أن ذلك لو ورد الشرع به،لم يكن خارجا عن سنن المصالح،و لكنا لا نبتدع المصالح بل نتبع فيها،و كسر ظروف الخمر قد ثبت عند شدة الحاجة،و تركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخا،بل الحكم يزول بزوال العلة،و يعود بعودها، و إنما جوزنا ذلك للامام بحكم الاتباع،و منعنا آحاد الرعية منه،لخفاء وجه الاجتهاد فيه،بل نقول لو أريقت الخمور أولا،فلا يجوز كسر الأواني بعدها،و إنما جاز كسرها تبعا للخمر،فإذا خلت عنها فهو إتلاف مال،إلا أن تكون ضارية بالخمر لا تصلح إلا لها،فكان الفعل المنقول عن العصر الأول كان مقرونا بمعنيين.
أحدهما:شدة الحاجة إلى الزجر،و الآخر:تبعية الظروف للخمر التي هي مشغولة بها و هما معنيان مؤثران لا سبيل إلى حذفهما،و معنى ثالث.و هو صدوره عن رأى صاحب الأمر لعلمه بشدة الحاجة إلى الزجر،و هو أيضا مؤثر،فلا سبيل إلى إلغائه فهذه تصرفات دقيقة فقهية،يحتاج المحتسب لا محالة إلى معرفتها