إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٥ - الدرجة الثانية
الدرجة الثانية
التعريف
فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله،و إذا عرف أنه منكر تركه،كالسوادي[١] يصلى و لا يحسن الركوع و السجود،فيعلم أن ذلك لجهله،بأن هذا ليست بصلاة،و لو رضى بأن لا يكون مصليا لترك أصل الصلاة،فيجب تعريفه باللطف من غير عنف،و ذلك لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل و الحمق،و التجهيل إيذاء،و قلما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور،لا سيما بالشرع،و لذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب،كيف يغضب إذا نبه على الخطأ و الجهل، و كيف يجتهد في مجاحدة الحق بعد معرفته،خيفة من أن تنكشف عورة جهله،و الطباع أحرص على ستر عورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية لأن الجهل قبح في صورة النفس،و سواد في وجهه،و صاحبه ملوم عليه،و قبح السوأتين يرجع إلى صورة البدن،و النفس أشرف من البدن،و قبحها أشد من قبح البدن،ثم هو غير ملوم عليه،لأنه خلقة لم يدخل تحت اختياره حصوله،و لا في اختياره إزالته و تحسينه و الجهل قبح يمكن إزالته و تبديله بحسن العلم،فلذلك يعظم تألم الإنسان بظهور جهله، و يعظم ابتهاجه في نفسه بعلمه،ثم لذته عند ظهور جمال علمه لغيره،و إذا كان التعريف كشف العورة مؤذيا للقلب،فلا بد و أن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق فنقول له:إن الإنسان لا يولد عالما،و لقد كنا أيضا جاهلين بأمور الصلاة،فعلمنا العلماء و لعل قريتك خالية عن أهل العلم،أو عالمها مقصر في شرح الصلاة،و إيضاحها إنما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع و السجود،و هكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء فإن إيذاء المسلم حرام محذور،كما ان تقريره على المنكر محذور،و ليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، و من اجتنب محذور السكوت على المنكر،و استبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه،فقد غسل الدم بالبول على التحقيق،و أما إذا وقفت على خطأ في غير أمر الدين،فلا ينبغي أن ترده عليه فإنه يستفيد منك علما،و يصير لك عدوّا،إلا إذا علمت أنه يغتنم العلم،و ذلك عزيز جدا