إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٣ - الركن الثالث
لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه،كما يستحق صاحب الألف حفظ الألف،و لا سبيل للمصير إلى ذلك،فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية كالغصب،أو قتل عبد مملوك للغير،فهذا يجب المنع منه،و إن كان فيه تعب ما،لأن المقصود حق الشرع،و الغرض دفع المعصية،و على الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه أن يتعب نفسه في ترك المعاصي و المعاصي كلها في تركها تعب،و إنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس،و هي غاية التعب،ثم لا يلزمه احتمال كل ضرر،بل التفصيل فيه كما ذكرناه من درجات المحذورات التي يخافها المحتسب و قد اختلف الفقهاء في مسألتين،تقربان من غرضنا إحداهما:أن الالتقاط هل هو واجب،و اللقطة ضائعة، و الملتقط مانع من الضياع و ساع في الحفظ،و الحق فيه عندنا أن يفصل و يقال:إن كانت اللقطة في مواضع لو تركها فيه لم تضع،بل يلتقطها من يعرفها،أو تترك كما لو كان في مسجد،أو رباط،يتعين من يدخله و كلهم أمناء،فلا يلزمه الالتقاط،و إن كانت في مضيعة نظر،فإن كان عليه تعب في حفظها،كما لو كانت بهيمة و تحتاج إلى علف و إصطبل،فلا يلزمه ذلك،لأنه إنما يحب الالتقاط لحق المالك،و حقه بسبب كونه إنسانا محترما،و الملتقط أيضا إنسان،و له حق في أن لا يتعب لأجل غيره،كما لا يتعب غيره لأجله،فإن كانت ذهبا أو ثوبا أو شيئا لا ضرر عليه فيه إلا مجرد تعب التعريف،فهذا ينبغي أن يكون في محل الوجهين،فقائل يقول:
التعريف و القيام بشرطه فيه تعب،فلا سبيل إلى إلزامه ذلك،إلا أن يتبرع فيلتزم طلبا للثواب،و قائل يقول:إن هذا القدر من التعب مستصغر بالإضافة إلى مراعاة حقوق المسلمين،فينزل هذا منزلة تعب الشاهد في حضور مجلس الحكم،فإنه لا يلزمه السفر إلى بلدة أخرى،إلا أن يتبرع به،فإذا كان مجلس القاضي في جواره لزمه الحضور،و كان التعب بهذه الخطوات لا يعد تعبا في غرض إقامة الشهادة،و أداء الأمانة،و إن كان في الطرف الآخر من البلد،و أحوج إلى الحضور في الهاجرة و شدة الحر،فهذا قد يقع في محل الاجتهاد و النظر، فإن الضرر الذي ينال الساعي في حفظ حق الغير له طرف في القلة لا يشك في أنه لا يبالي به و طرف في الكثرة،لا يشك في أنه لا يلزم احتماله،و وسط يتجاذبه الطرفان