إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٠ - الشرط الرابع أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد
فاعلم أن المسائل تنقسم إلى ما يتصور أن يقال فيه كل مجتهد مصيب،و هي أحكام الأفعال في الحل و الحرمة،و ذلك هو الذي لا يعترض على المجتهدين فيه،إذ لم يعلم خطؤهم قطعا بل ظنا، و إلى ما لا يتصور أن يكون المصيب فيه الا واحدا،كمسألة الرؤية،و القدر،و قدم الكلام،و نفى الصورة،و الجسمية،و الاستقرار عن اللّه تعالى،فهذا مما يعلم خطأ المخطئ فيه قطعا،و لا يبقي لخطئه الذي هو جهل محض وجه،فإذا البدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها،و تنكر على المبتدعين بدعهم،و إن اعتقدوا أنها الحق، كما يرد على اليهود و النصارى كفرهم،و إن كانوا يعتقدون أن ذلك حق،لأن خطأهم معلوم على القطع،بخلاف الخطأ في في مظان الاجتهاد فإن قلت:فمهما اعترضت على القدري،في قوله:الشر ليس من اللّه:اعترض عليك القدري أيضا،في قولك:الشر من اللّه،و كذلك قولك.إن اللّه يرى،و في سائر المسائل إذ المبتدع محق عند نفسه،و المحق مبتدع عند المبتدع،و كل يدعى أنه محق،و ينكر كونه مبتدعا فكيف يتم الاحتساب فاعلم أنا لأجل هذا التعارض نقول،ينظر إلى البلدة التي فيها أظهرت تلك البدعة،فإن كانت البدعة غريبة،و الناس كلهم على السنة،فلهم الحسبة عليه بغير إذن السلطان، و إن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة،و أهل السنة،و كان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلا بنصب السلطان،فإذا رأى السلطان الرأي الحق و نصره،و أذن لواحد أن يزجر المتبدعة عن إظهار البدعة،كان له ذلك و ليس لغيره،فإن ما يكون بإذن السلطان لا يتقابل،و ما يكون من جهة الآحاد فيتقابل الأمر فيه و على الجملة فالحسبة في البدعة أهم من الحسبة في كل المنكرات، و لكن ينبغي أن يراعى فيها هذا التفصيل الذي ذكرناه،كيلا يتقابل الأمر فيها،و لا ينجر إلى تحريك الفتنة،بل لو أذن السلطان مطلقا في منع كل من يصرح بأن القرآن مخلوق،أو أن اللّه لا يرى،أو أنه مستقر على العرش مماس له،أو غير ذلك من البدع لتسلط الآحاد على المنع منه،و لم يتقابل الأمر فيه،و إنما يتقابل عند عدم إذن السلطان فقط.