إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٩ - الشرط الرابع أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد
لجهلهما بوجود الصفة لا يخرج الفعل عن كونه منكرا،و لا يتقاعد ذلك عن زنا المجنون و قد بينا أنه يمنع منه،فإذا كان يمنع مما هو منكر عند اللّه و إن لم يكن منكرا عند الفاعل و لا هو عاص به لعذر الجهل،فيلزم من عكس هذا أن يقال:ما ليس بمنكر عند اللّه و إنما هو منكر عند الفاعل لجهله،لا يمنع منه،و هذا هو الأظهر و العلم عند اللّه فتحصل من هذا أن الحنفي لا يعترض على الشافعي في النكاح بلا ولي،و أن الشافعي يعترض على الشافعي فيه،لكون المعترض عليه منكرا،باتفاق المحتسب و المحتسب عليه و هذه مسائل فقهية دقيقة،و الاحتمالات فيها متعارضة،و إنما أفتينا فيها بحسب ما نرجح عندنا في الحال،و لسنا نقطع بخطإ ترجيح المخالف فيها،إن رأى أنه لا يجرى الاحتساب إلا في معلوم على القطع،و قد ذهب إليه ذاهبون،و قالوا لا حسبة إلا في مثل الخمر و الخنزير و ما يقطع بكونه حراما،و لكن الأشبه عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد،إذ يبعد غاية البعد،أن يجتهد في القبلة و يعترف بظهور القبلة عنده في جهة بالدلالات الظنية،ثم يستدبرها،و لا يمنع منه لأجل ظن غيره،لأن الاستدبار هو الصواب و رأى من يرى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به،و لعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا،فهذا مذهب لا يثبت،و إن ثبت فلا يعتد به فإن قلت:إذا كان لا يعترض على الحنفي في النكاح بلا ولي،لأنه يرى أنه حق فينبغي أن لا يعترض على المعتزلي في قوله:إن اللّه لا يرى،و قوله:و إن الخير من اللّه،و الشر ليس من اللّه،و قوله:كلام اللّه مخلوق، و لا على الحشوى في قوله:إن اللّه تعالى جسم و له صورة و أنه مستقر على العرش،بل لا ينبغي أن يعترض على الفلسفي في قوله:الأجساد لا تبعث و إنما تبعث النفوس،لأن هؤلاء أيضا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه و هم يظنون أن ذلك هو الحق فإن قلت:بطلان مذهب هؤلاء ظاهر،فبطلان مذهب من يخالف نص الحديث الصحيح أيضا ظاهر،و كما ثبت بظواهر النصوص أن اللّه تعالى يرى،و المعتزل ينكرها بالتأويل،فكذلك ثبت بظواهر النصوص مسائل خالف فيها الحنفي،كمسألة النكاح بلا ولي و مسألة شفعة الجوار و نظائرهما