إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٥ - الأول كونه منكرا
و الخمر،فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن،ما لم تؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها،و ذلك يثبت للآحاد و الرعية
الثالثة أن يكون المنكر متوقعا
، كالذي يستعد بكنس المجلس و تزيينه،و جمع الرياحين لشرب الخمر،و بعد لم يحضر الخمر،فهذا مشكوك فيه،إذ ربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ و النصح،فأما بالتعنيف و الضرب فلا يجوز للآحاد،و لا للسلطان إلا إذا كانت تلك المعصية علمت منه بالعادة المستمرة،و قد أقدم على السبب المؤدى إليها و لم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس له فيه إلا الانتظار،و ذلك كوقوف الأحداث على أبواب حمامات النساء للنظر إليهن عند الدخول و الخروج،فإنهم و إن لم يضيقوا الطريق لسعته،فتجوز الحسبة عليهم بإقامتهم من الموضع و منعهم عن الوقوف بالتعنيف و الضرب،و كان تحقيق هذا إذا بحث عنه يرجع إلى أن هذا الوقوف في نفسه معصية،و إن كان مقصد العاصي وراءه،كما أن الخلوة بالأجنبية في نفسها معصية لأنها مظنة وقوع المعصية،و تحصيل مظنة المعصية معصية،و نعني بالمظنة ما يتعرض الإنسان به لوقوع المعصية غالبا،بحيث لا يقدر على الانكفاف عنها، فإذا هو على التحقيق حسبة على معصية راهنة لا على معصية منتظرة
الركن الثاني للحسبة
ما فيه الحسبة
و هو كل منكر موجود في الحال،ظاهر للمحتسب بغير تجسس،معلوم كونه منكرا بغير اجتهاد
،فهذه أربعة شروط فلنبحث عنها
الأول:كونه منكرا:
و نعني به أن يكون محذور الوقوع في الشرع، و عدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا،لأن المنكر أعم من المعصية،إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره و يمنعه و كذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة،فعليه أن يمنعه منه،و ليس ذلك لتفاحش صورة الفعل،و ظهوره بين الناس،بل لو صادف هذا المنكر في خلوة لوجب المنع منه