إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٤ - الثانية أن تكون المعصية راهنة و صاحبها مباشر لها
كان ما يفوت من حقوقهم يفوت على طريق المعصية،كالضرب و النهب،فليس له هذه الحسبة،لأنه دفع منكر يفضي إلى منكر،و إن كان يفوت لا بطريق المعصية فهو إيذاء للمسلم أيضا،و ليس له ذلك إلا برضاهم،فإذا كان يؤدى ذلك إلى أذى قومه فليتركه،و ذلك كالزاهد الذي له أقارب أغنياء،فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان،و لكنه يقصد أقاربه انتقاما منه بواسطتهم،فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه و جيرانه فليتركها،فإن إيذاء المسلمين محذور،كما أن السكوت على المنكر محذور،نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال أو نفس،و لكن ينالهم الأذى بالشتم و السب فهذا فيه نظر، و يختلف الأمر فيه بدرجات المنكرات في تفاحشها،و درجات الكلام المحذور في نكايته في القلب،و قدحه في العرض فإن قيل:فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه،و كان لا يمتنع عنه إلا بقتال،ربما يؤدى إلى قتله،فهل يقاتل عليه؟فإن قلتم يقاتل فهو محال،لأنه إهلاك نفس خوفا من إهلاك طرف،و في إهلاك النفس إهلاك الطرف أيضا قلنا:يمنعه عنه، و يقاتله إذ ليس غرضنا حفظ نفسه و طرفه،بل الغرض حسم سبيل المنكر و المعصية،و قتله في الحسبة ليس بمعصية،و قطع طرف نفسه معصية،و ذلك كدفع الصائل على مال مسلم بما يأتي على قتله،فإنه جائز لا على معنى أنا نفدي درهما من مال مسلم بروح مسلم،فإن ذلك محال،و لكن قصده لأخذ مال المسلمين معصية،و قتله في الدفع عن المعصية ليس بمعصية،و إنما المقصود دفع المعاصي فإن قيل:فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه،فينبغي أن نقتله في الحال حسما لباب المعصية قلنا:ذلك لا يعلم يقينا،و لا يجوز سفك دمه بتوهم معصية،و لكنا إذا رأيناه في حال مباشرة القطع دفعناه،فإن قاتلنا قاتلناه،و لم نبال بما يأتي على روحه،
فإذا المعصية لها ثلاثة أحوال
إحداها.أن تكون متصرمة
،فالعقوبة على ما تصرم منها حد أو تعزير،و هو إلى الولاة لا إلى الآحاد
الثانية:أن تكون المعصية راهنة و صاحبها مباشر لها
،كلبسه الحرير،و إمساكه العود