إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٢ - الحالة الرابعة عكس هذه
و أما الجاه:فهو أن يؤذيه شرير،و لا يجد سبيلا إلى دفع شره إلا بجاه يكتسبه من سلطان و لا يقدر على التوصل إليه إلا بواسطة شخص يلبس الحرير،أو يشرب الخمر و لو احتسب عليه لم يكن واسطة،و وسيلة له،فيمتنع عليه حصول الجاه،و يدوم بسببه أذى الشرير فهذه الأمور كلها إذا ظهرت و قويت لم يبعد استثناؤها،و لكن الأمر فيها منوط باجتهاد المحتسب،حتى يستفتى فيها قلبه،و يزن أحد المحذورين بالآخر،و يرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى و الطبع،فإن رجح بموجب الدين سمي سكوته مداراة،و إن رجح بموجب الهوى سمى سكوته مداهنة، و هذا أمر باطن لا يطلع عليه إلا بنظر دقيق،و لكن الناقد بصير،فحق على كل متدين فيه أن يراقب قلبه،و يعلم أن اللّه مطلع على باعثه و صارفة إنه الدين أو الهوى،و ستجد كل نفس ما عملت من سوء أو خير محضرا عند اللّه و لو في فلتة خاطر،أو في فلتة ناظر من غير ظلم و جور،فما اللّه بظلام للعبيد و أما القسم الثاني:و هو فوات الحاصل فهو مكروه و معتبر في جواز السكوت في الأمور الأربعة إلا العلم،فإن فواته غير مخوف إلا بتقصير منه،و إلا فلا يقدر أحد على سلب العلم من غيره و إن قدر على سلب الصحة و السلامة و الثروة و المال،و هذا أحد أسباب شرف العلم،فإنه يدوم في الدنيا،و يدوم ثوابه في الآخرة،فلا انقطاع له أبد الآباد و أما الصحة و السلامة:ففواتهما بالضرب،فكل من علم أنه يضرب ضربا مؤلما يتأذى به في الحسبة لم تلزمه الحسبة،و إن كان يستحب له ذلك كما سبق،و إذا فهم هذا في الإيلام بالضرب،فهو في الجرح و القطع و القتل أظهر و أما الثروة:فهو بأن يعلم أنه تنهب داره،و يخرب بيته،و تسلب ثيابه،فهذا أيضا يسقط عنه الوجوب،و يبقى الاستحباب إذ لا بأس بأن يفدي دينه بدنياه،و لكل واحد من الضرب و النهب حد في القلة لا يكترث به كالحبة في المال،و اللطمة الخفيف ألمها في الضرب،و حد في الكسرة يتعين اعتباره،و وسط يقع في محل الاشتباه و الاجتهاد،و على المتدين أن يجتهد في ذلك،و يرجح جانب الدين ما أمكن و أما الجاه:ففواته بأن يضرب ضربا غير مؤلم،أو يسب على ملأ من الناس،أو يطرح