إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٠ - الحالة الرابعة عكس هذه
المعتدل الطبع،فلا التفات إلى الطرفين،و على الجبان أن يتكلف إزالة الجبن إزالة علته،و علته جهل أو ضعف،و يزول الجهل بالتجربة،و يزول الضعف بممارسة الفعل المخوف منه تكلفا حتى يصير معتادا،إذ المبتدئ في المناظرة و الوعظ مثلا قد يجبن عنه طبعه لضعفه،فإذا مارس و اعتاد فارقه الضعف،فإن صار ذلك ضروريا غير قابل للزوال،بحكم استيلاء الضعف على القلب،فحكم ذلك الضعيف يتبع حاله فيعذر كما يعذر المريض في التقاعد عن بعض الواجبات و لذلك قد نقول على رأى لا يجب ركوب البحر لأجل حجة الإسلام على من يغلب عليه الجبن في ركوب البحر،و يجب على من لا يعظم خوفه منه،فكذلك الأمر في وجوب الحسبة فإن قيل:فالمكروه المتوقع ما حده؟فإن الإنسان قد يكره كلمة،و قد يكره ضربة و قد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة،و ما من شخص يؤمر بالمعروف إلا و يتوقع منه نوع من الأذى،و قد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان،أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه،فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به قلنا:هذا أيضا فيه نظر غامض،و صورته منتشرة،و مجاريه كثيرة،و لكنا نجتهد في ضم نشره و حصر أقسامه،فنقول المكروه نقيض المطلوب،و مطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور أما في النفس:فالعلم و أما في البدن:فالصحة و السلامة و أما في المال:فالثروة و أما في قلوب الناس:فقيام الجاه فإذا المطلوب العلم،و الصحة،و الثروة،و الجاه،و معنى الجاه ملك قلوب الناس،كما أن معنى الثروة ملك الدراهم، لأن قلوب الناس وسيلة إلى الأغراض،كما أن ملك الدراهم وسيلة إلى بلوغ الأغراض،و سيأتي تحقيق معنى الجاه،و سبب ميل الطبع إليه في ربع المهلكات و كل واحدة من هذه الأربعة يطلبها الإنسان لنفسه،و لاقاربه و المختصين به، و يكره في هذه الأربعة أمران أحدهما.زوال ما هو حاصل موجود،و الآخر:امتناع ما هو منتظر مفقود،أعنى اندفاع ما يتوقع وجوده، فلا ضرر إلا في فوات حاصل و زواله،أو تغويق منتظر،فإن المنتظر عبارة عن الممكن حصوله،و الممكن حصوله كأنه حاصل