إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠ - الشرط الرابع
و شرح القول في هذا أن الحسبة لها خمس مراتب كما سيأتي،أولها التعريف،و الثاني الوعظ بالكلام اللطيف،و الثالث:السب و التعنيف،و لست أعنى بالسب الفحش،بل أن يقول يا جاهل يا أحمق ألا تخاف اللّه،و ما يجرى هذا المجرى،و الرابع:المنع بالقهر بطريق المباشرة،ككسر الملاهي،و إراقة الخمر،و اختطاف الثوب الحرير من لابسه و استلاب الثوب المغصوب منه و رده على صاحبه،و الخامس:التخويف و التهديد بالضرب و مباشرة الضرب له،حتى يمنع عما هو عليه، كالمواظب على الغيبة و القذف،فإن سلب لسانه غير ممكن،و لكن يحمل على اختيار السكوت بالضرب،و هذا قد يحوج إلى استعانة و جمع أعوان من الجانبين،و يجر ذلك إلى قتال،و سائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام الا المرتبة الخامسة،فإن فيها نظرا سيأتي أما التعريف و الوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الامام،و أما التجهيل،و التحميق،و النسبة إلى الفسق،و قلة الخوف من اللّه،و ما يجرى مجراه،فهو كلام صدق،و الصدق مستحق بل أفضل الدرجات كلمة حق عند إمام جائر،كما ورد في الحديث[١] فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه،و كذلك كسر الملاهي،و إراقة الخمور،فإنه تعاطى ما يعرف كونه حقا من غير اجتهاد،فلم يفتقر إلى الإمام،و أما جمع الأعوان،و شهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة،ففيه نظر سيأتي،و استمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض،بل كل من أمر بمعروف،فإن كان الوالي راضيا به فذاك و إن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه،فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه و يدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة،كما روى[٢]أن مروان بن الحكم خطب قبل صلاة العيد،فقال له رجل إنما الخطبة بعد الصلاة،فقال له مروان،ترك ذلك يا فلان،فقال أبو سعيد:أما هذا فقد قضى ما عليه،قال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه