إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨ - و أما الشرط الثالث
و نحن نقول:من علم أن قوله لا يقبل في الحسبة لعلم الناس بفسقه،فليس عليه الحسبة بالوعظ إذ لا فائدة في وعظه،فالفسق يؤثر في إسقاط فائدة كلامه،ثم إذا سقط فائدة كلامه سقط وجوب الكلام،فأما إذا كانت الحسبة بالمنع،فالمراد منه القهر،و تمام القهر:أن يكون بالفعل و الحجة جميعا و إذا كان فاسقا فإن قهر بالفعل فقد قهر بالحجة،إذ يتوجه عليه أن يقال له فأنت لم تقدم عليه فتنفر الطباع عن قهره بالفعل مع كونه مقهورا بالحجة،و ذلك لا يخرج الفعل عن كونه حقا كما أن من يذب الظالم عن آحاد المسلمين،و يهمل أباه و هو مظلوم معهم،تنفر الطباع عنه و لا يخرج دفعه عن المسلم عن كونه حقا،فخرج من هذا أن الفاسق ليس عليه الحسبة بالوعظ على من يعرف فسقه،لأنه لا يتعظ،و إذا لم يكن عليه ذلك و علم أنه يفضي إلى تطويل اللسان في عرضه بالإنكار،فنقول ليس له ذلك أيضا،فرجع الكلام إلى أن أحد نوعى الاحتساب و هو الوعظ قد بطل بالفسق،و صارت العدالة مشروطة فيه و أما الحسبة القهرية فلا يشترط فيها ذلك،فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمور و كسر الملاهي و غيرها إذا قدر،و هذا غاية الإنصاف و الكشف في المسألة و أما الآيات التي استدلوا بها فهو إنكار عليهم،من حيث تركهم المعروف لا من حيث أمرهم،و لكن أمرهم دل على قوة علمهم،و عقاب العالم أشد، لأنه لا عذر له مع قوة علمه و قوله تعالى لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ [١]المراد به الوعد الكاذب،و قوله عز و جل وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [٢]إنكار من حيث إنهم نسوا أنفسهم،لا من حيث إنهم أمروا غيرهم و لكن ذكر أمر الغير استدلالا به على علمهم و تأكيد الحجة عليهم،و قوله:يا ابن مريم عظ نفسك الحديث،هو في الحسبة بالوعظ،و قد سلمنا أن وعظ الفاسق ساقط الجدوى عند من يعرف فسقه،ثم قوله فاستحى منى لا يدل على تحريم وعظ الغير،بل معناه استحى منى فلا تترك الأهم و تشتغل بالمهم،كما يقال احفظ أباك ثم جارك و إلا فاستحى فإن قيل:فليجز للكافر الذمي أن يحتسب على المسلم إذا رآه يزني،لأن قوله لا تزن حق في نفسه،فمحال أن يكون حراما عليه،بل ينبغي أن يكون مباحا أو واجبا
[١] البقرة:٤٤
[٢] الصف:٣.