إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧ - و أما الشرط الثالث
فإن قيل:فيلزم على هذا أن يقال إذا زنى الرجل بامرأة و هي مكرهة مستورة الوجه فكشفت وجهها باختيارها،فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا،و يقول أنت مكرهة في الزنا،و مختارة في كشف الوجه لغير محرم،و ها أنا غير محرم لك فاسترى وجهك،فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل،و يستشنعه كل طبع سليم فالجواب:أن الحق قد يكون شنيعا،و أن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع،و المتبع الدليل دون نفرة الأوهام و الخيالات،فإنا نقول:قوله لها في تلك الحالة لا تكشفي وجهك واجب،أو مباح،أو حرام، فإن قلتم إنه واجب فهو الغرض،لأن الكشف معصية و النهي عن المعصية حق،و إن قلتم إنه مباح،فإذا له أن يقول ما هو مباح،فما معنى قولكم ليس للفاسق الحسبة،و إن قلتم إنه حرام،فنقول كان هذا واجبا فمن أين حرم بإقدامه على الزنا،و من الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر و أما نفرة الطباع عنه و استنكارها له فهو لسببين أحدهما:أنه ترك الأهم و اشتغل بما هو مهم،و كما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعنى،فتنفر عن ترك الأهم،و الاشتغال بالمهم،كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب و هو مواظب على الربا، و كما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة و يشهد بالزور.لأن الشهادة بالزور أفحش،و أشد من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدق فيه المخبر،و هذا الاستبعاد في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب،و أنه لو اغتاب أو أكل لقمة من حرام لم تزد بذلك عقوبته،فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره من معصية غيره،فاشتغاله عن الأقل بالأكثر مستنكر في الطبع،من حيث إنه ترك الأكثر لا من حيث إنه أتى بالأقل،فمن غصب فرسه،و لجام فرسه،فاشتغل بطلب اللجام،و ترك الفرس،نفرت عنه الطباع،و يرى مسيئا،إذ قد صدر منه طلب اللجام،و هو غير منكر،و لكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام،فاشتد الإنكار عليه لتركه الأهم بما دونه،فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه،و هذا لا يدل على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة الثاني:أن الحسبة تارة تكون بالنهي بالوعظ، و تارة بالقهر،و لا ينجع وعظ من لا يتعظ أوّلا