إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦ - و أما الشرط الثالث
لم يأمر أحد بشيء،فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير،و إن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر،حتى يجوز للابس الحرير أن يمنع من الزنا و شرب الخمر،فنقول:
و هل لشارب الخمر أن يغزو الكفار،و يحتسب عليهم بالمنع من الكفر فإن قالوا:لا،خرقوا الإجماع،إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر و الفاجر،و شارب الخمر،و ظالم الأيتام و لم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لا بعده،فإن قالوا نعم فنقول:
شارب الخمر هل له المنع من القتل أم لا فإن قالوا:لا،قلنا.فما الفرق بينه و بين لابس الحرير؟ إذ جاز له المنع من الخمر،و القتل كبيرة بالنسبة إلى الشرب،كالشرب بالنسبة إلى لبس الحرير فلا فرق،و إن قالوا نعم و فصلوا الأمر فيه،بأن كل مقدم على شيء فلا يمنع عن مثله و لا عما دونه،و إنما يمنع عما فوقه،فهذا تحكم،فإنه كما لا يبعد أن يمنع الشارب من الزنا و القتل فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب،بل من أين يبعد أن يشرب و يمنع غلمانه و خدمه من الشراب،و يقول يجب علىّ الانتهاء،و النهى،فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصى اللّه تعالى بالثاني،و إذا كان النهي واجبا علىّ فمن أين يسقط وجوبه بإقدامى،إذ يستحيل أن يقال يجب النهى عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب،فإذا شرب سقط عنه النهى فإن قيل:فيلزم على هذا أن يقول القائل الواجب علىّ الوضوء،و الصلاة،فأنا أتوضأ و إن لم أصل، و أتسحر و إن لم أصم،لأن المستحب لي السحور و الصوم جميعا،و لكن يقال أحدهما مرتب على الآخر،فكذلك تقويم الغير مرتب على تقويمه نفسه،فليبدأ بنفسه ثم بمن يعول و الجواب أن التسحر يراد للصوم،و لو لا الصوم لما كان التسحر مستحبا،و ما يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير،و إصلاح الغير لا يراد لاصلاح النفس،و لا صلاح النفس لإصلاح الغير،فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم،و أما الوضوء و الصلاة فهو لازم فلا جرم أن من توضأ و لم يصل،كان مؤديا أمر الوضوء،و كان عقابه أقل من عقاب من ترك الوضوء و الصلاة جميعا،فليكن من ترك النهى و الانتهاء أكثر عقابا ممن نهي و لم ينته كيف،و الوضوء شرط لا يراد لنفسه،بل للصلاة فلا حكم له دون الصلاة،و أما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء و الائتمار فلا مشابهة بينهما